5 يوليو 2021

أمراض «صاحبة الجلالة»

أكتب هذه الكلمات.. وأنا مَن أنا؟.. أنا ما زلت طفلا يحبو في بلاط صاحبة الجلالة.. 10 سنوات في مهنة عمرها مئات الأعوام لا يعني الكثير.. كما ينقر العصفور من البحر.. مهنة الصحافة ذات القواعد والجدران الراسخة القوية التي درسناها على مدار 4 سنوات جامعية.. ولكن ها هي الجدران باتت «مشروخة» والأعمدة تهتز.. فماذا حدث لمهنة «السلطة الرابعة»؟

الدخلاء وغير الأكفاء الذين تصدروا المشهد، وأبرز مثال تلك «الحِشرية» التي تدَّعي «النضال» وهي تخوض في حياة الناس الخاصة وتقتات على أسرار بيوتهم، وبدلا من أن تحمل قلما ومصباحا ينير الطريق تمسك بمعول هدم لحياة الناس، وهي تذكِّرنا بذلك المغمور الذي حقق شهرة زائلة على حساب تلويث سمعة المرحوم نور الشريف وعدد من الفنانين، ويبدو أن هذه «المدرسة الرخيصة» تحولت إلى «تنظيم مخيف» يظن أن الصحافة مهنة البحث عن الفضائح لدرجة أن هذا هو المفهوم الذي ترسخ عند بعض الناس عن هذه المهنة الراقية.

الانحراف عن منهج التعبير عن هموم الناس واللهث خلف «التريند» وخصوصا في الصحافة الإلكترونية.. وباتت عبارة «أصلها طالعة تريند» هو صك الغفران أو التأشيرة التي يمر من خلالها توافه الموضوعات وأكثرها ابتذالا «في زحمة التريند»، وأصبح الصحفي وخصوصا رجل الديسك مجرد موظف عند «التريند» ويهز رأسه إيجابا كلما سمع كلمة «أصلها تريند»، وتحول الديسك إلى «عسكري مرور» يفتح الطريق لجميع السيارات بدلا من أن يكون محكِّما وفاصلا في المادة الصحفية، وإذا فكر في الاعتراض فسيكون غريبا على «المنظومة الجديدة».. منظومة «التريند»، وستلفظه وتطرده على الفور.

الأزمات المالية المتلاحقة التي تضرب المؤسسات الصحفية، والتي ازدادت حدتها مع تفشي وباء كورونا، ومع الاجتياح التكنولوجي الرهيب في شتى المجالات ولا سيما في الصحافة، فوجئنا أمس بقرار تحويل الصحف القومية المسائية إلى إصدارات إلكترونية، وهو قرار مؤلم من الناحية المادية لأنه يعكس الأزمات المالية لهذه الصحف وما قد يسببه القرار من الاستغناء عن بعض العاملين بالإصدار الورقي أو التأثير سلبا على رواتبهم، كما أنه مؤلم من الناحية النفسية لأولئك الذين «ارتبطوا» بالإصدارات الورقية وما تقدمه من تحليلات وآراء وما وراء الخبر.

حالة القهر التي تمارس داخل بعض المؤسسات، حيث لا مكان لكفاءة أو أقدمية، إنما الكارت الرابح يكون من نصيب الشللية.. النفاق.. الكلمة المعسولة.. المظهر الجذاب.. الفهلوة.. الصوت العالي.. فلا بد أن يكون لك «مخالب» لكي تستطيع أن تدافع عن حقك بضراوة شديدة، وتظهر «العين الحمراء» لكل من يجرؤ على المساس بحقك أو مكانتك التي تستحقها بكفاءتك وأقدميتك.. أو أن تكون «ثعلبا» يجيد المراوغة والمداهنة لتحقيق المكاسب، أما إذا كنت مِثاليًا وعَمَليا فلا تتوقع أن يأتي إليك حقك راكعا، وستظل مقهورا ويائسا وسيقل شغفك وتذبل روحك.. وهو المرض الذي أصاب معظم المؤسسات الصحفية بسبب الشللية والقهر وعدم تحقيق العدالة في المناصب والأجور.

هذا غيض من فيض، فالصحافة كأي مهنة تعاني من أزمات وأمراض، وفي الوقت ذاته هناك نماذج مشرفة وكوب نصف ممتلئ يبعث على التفاؤل في المهنة، وكل من يعمل في بلاط صاحبة الجلالة بالتأكيد لديه مآسٍ وأوجاع وهموم أكثر من تلك التي ذكرتها، إن مهنتنا اسمها «البحث عن المتاعب» فلا يجب أن تكون هي أيضا في حد ذاتها مليئة بالمتاعب.. إن حياة وصحة الصحفيين الجسدية والنفسية تواجه المخاطر إذا استمر العمل في هذا المناخ القاتم.

3 يوليو 2021

يا اللي ظلمتوا الصيف

 بدايةً أقول إنني قبل الشروع في كتابة هذه السطور، تخيلت كم الهجوم والاستياء الذي سأتعرض له، بسبب حديثي بشكل إيجابي عن «بعبع الصيف»، بل إنني تخيلت أن أحدهم قد يتقدم ببلاغ ضدي لأنني انحزت إلى الصيف الذي يعتبره البعض «كيانا إرهابيا»!، وقد يتطور الأمر إلى محاولة اغتيالي!.. أو على أقل القليل أحظى بكمية لا بأس بها من «أغضبني» على غرار «دكتور كلية العلوم» الذي ثار عليه طلابه المظلومون!!

ولكن.. الحق أقول، تعالوا ننظر إلى الحكمة الإلهية من خلق الصيف وبالتأكيد سنجد مميزات لهذا الفصل الصعب، الذي لم يخلقه الله عبثًا، وحاشاه سبحانه وتعالى أن يخلق شيئا عبثا، فكما أن مولانا خلق الليل بسكونه وهدوئه وجلسات السمر والمرح بين العائلة والأصدقاء ثم الخلود إلى النوم والراحة، خلق أيضا النهار من أجل أن تدور عجلة الدنيا ونعمل ونكسب أرزاقنا الحلال التي بها نحيا، وكما خلق الرجل بطباعه الشديدة خلق الأنثى بطباعها الرقيقة، وكذلك خلق الشتاء ببرده القارس وخلق الصيف بحرارته الرمضاء.

وفي الصيف تنمو العديد من الفواكه التي اتخذها هذا الفصل بشكل حصري لأنها تتطلب درجة حرارة عالية، ومن أشهرها المانجو والبطيخ والخوخ وهي كلها فواكه تمد الجسم بالعديد من الفيتامينات الضرورية، وفي الصيف نتناول المشروبات شديدة البرودة والمثلجات بطعمها اللذيذ وهو ما لا نستطيع فعله في الشتاء بالتأكيد وإلا أصبنا بنزلات برد.

في الصيف نرتدي أبسط الثياب «اللي على الحبل» ولا نضطر إلى التكلف والبحث عن الجاكيت والبلوفر والقميص و«البوت» و«الشوز» وحفنة من الملابس كما يحدث في الشتاء، فقط «شورت وفانلة وكاب» تكفي للغرض.

يأتي الصيف ويبدأ معه موسم المصيف الجميل ونستعيد ذكريات «مصيف العائلة» ونقضي أحلى اللحظات بين الرمال الذهبية والبحر الصافي، أو تحت «دُش» منزلنا المتواضع أو داخل «البانيو»، في حال عدم توافر الوقت أو المال من أجل المصيف!!

ولطالما كان الصيف ملهمًا لعالم الفن، فنجد مثلا «في الصيف لازم نحب» فيلم مصري كوميدي صدر عام 1974، الذي ضم نخبة من ألمع النجوم، ومن قبله «البنات والصيف» عام 1960 من تأليف إحسان عبدالقدوس وإخراج ثلاثة من ألمع المخرجين وهم فطين عبدالوهاب وصلاح أبو سيف وعز الدين ذو الفقار، ونجد أيضا فيروز وهي تتغنى قائلة «حبيتك بالصيف.. حبيتك بالشتا».

الخلاصة، أنا أحب الصيف كما أحب الشتاء والربيع والخريف، وأحب كل أيام الأسبوع أيضا ولا أتشاءم من يوم الثلاثاء كما يفعل البعض، لأن الزمان من مخلوقات الله التي جعلها من أجل سعادتنا ومن أجل أن نعيش في بيئة يغلب عليها التنوع، فتخيل لو أن الدنيا شتاء فقط سنتجمد ولو أنها صيف فقط سنموت من الحر، ومن هنا جاءت الحكمة الإلهية التي هيأت لنا هذا التعاقب والتنوع الإبداعي الجميل.. فسبحان الله والحمد لله.

1 يوليو 2021

«مَشرط» وإخوته

يحفظ جيل التسعينيات عن ظهر قلب، مسلسل الكارتون «بكار»، الذي أبدع في تأليفه الكاتب عمرو سمير عاطف، ومن إخراج منى أبو النصر، ويتناول المسلسل شخصية خيالية لطفل من أسوان يحب بلده وأسرته وأصدقاءه، ويتصدى في سبيل ذلك لأحد لصوص الآثار ويُدعى «مَشرط» والذي يدبر الحيلة تلو الأخرى من أجل سرقة تاريخ مصر الأثري وبيعه لـ«الخواجات».

ولقد أبدع القائمون على العمل في رسم شخصية «مشرط» شكلا ومضمونا، وإضفاء أسلوب ساخر لشخصيته الساذجة الشريرة غير المكترثة ببيع تاريخ مصر للخارج، وإنما كل همه «الفلوس» التي جعلته يُربي لحمًا من الحرام في جسده الممتلئ.

«مشرط» كان فكرة، والفكرة لا تموت، بل إن هذه الشخصية الخيالية كانت انعكاسا واضحا للمجرمين الآن في أرض الواقع، الذين يظنون أن الآثار آثارهم والفلوس فلوسهم والدفاتر دفاترهم، وأسسوا في سبيل ذلك شبكات من المافيا التي صارت أشبه بوحش له رأس أو عدة رؤوس وذيول.

هذه الشبكة أو الشجرة هي المكون الأساسي لعالم الجريمة المنظمة العالمية السري، حيث يكون على رأس الشبكة الإجرامية «زعيم» وغالبا يكون شخصية معروفة في المجتمع ومؤثرة ولكنها تختبئ خلف عدة ستارات، مثل الأعمال الخيرية أو الحصانة البرلمانية أو «العلاقات العامة التقيلة» وغير ذلك، ويعاونه مجموعة من «صغار الحرامية» الذين يأتمرون بأمره ويقتاتون من فتات جرائمهم جميعا التي يذهب نصيب الأسد من مكاسبها الحرام إلى «رئيس العصابة».

كل حرامي وكل فرع من الشجرة في العصابة له دور، ففي عالم تهريب الآثار مثلا بالتأكيد هناك فرع لتحديد ورصد مكان الخبيئة الأثرية، ثم يأتي دور فرع الحفر لاستخراج الآثار أو سرقتها إذا كانت في متحف أو معبد أثري، ثم دور فرع التغليف والإخفاء والذين يتفننون في إخفاء الآثار عن أعين الأمن والشرفاء من الناس، استعدادا للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة التهريب للخواجة الذي سيدفع بالعملة الصعبة من أجل سرقة تاريخ مصر والإتجار به والتربح منه.

وما يؤكد أن عملية تهريب الآثار هي جريمة منظمة بامتياز، أننا نطالع يوميا عشرات الأخبار عن أشخاص في معظم أنحاء البلاد لقوا مصرعهم أثناء البحث عن آثار بسبب سقوط الردم فوق رؤوسهم، بجانب ما ظهر في قضية البرلماني المشعوذ والتي كشفت تورط أحد رجال الأعمال المشهورين في تمويل جريمة سرقة آثار مصر.

إن جريمة التنقيب وسرقة آثار مصر لا تختلف شيئا عن الإرهاب الذي حاربته مصر لسنوات طويلة، إن سرقة التاريخ هو سطو خبيث على كيان وكرامة الوطن، بل هو أشبه بالاغتصاب والاحتلال.. يجب أن نتصدى بكل قوة لـ«مَشرط وإخوته».


28 يونيو 2021

الحياة الخاصة «تريند».. قرب قرب

 من النعم الكثيرة التي وهبها الله للإنسان، نعمة السَتر، ووجود «أربع حيطان» تضمن السرية والأمان التام لحياة الناس بحلوها ومرها وحسناتها وسيئاتها وجدها وهزلها، هي نعمة عظيمة يجب أن نشكر الله عليها ليلا ونهارا، الستر هو أساس كل شيء في حياتنا، فالجلد يستر اللحم ويحميه، وتوصل الإنسان منذ قديم الأزل إلى اختراع الملابس ليستر جسده ولكي يتميز ويرتقي عن بقية المخلوقات، إذن فالستر هو فطرة إنسانية، ولا يوجد إنسان سوي يحب الفضائح.

ومع ظهور السوشيال ميديا والتطور التكنولوجي الذي أسيء استخدامه من البعض، أصبح «اللي ما يشتري يتفرج»، وأخذ بعض المشاهير يروجون ويفضحون حياتهم الخاصة بقصد أو بدون بقصد، مع تورط بعض وسائل الإعلام - للأسف- في تلك المهزلة.

في شهر رمضان الماضي ودون مراعاة لحرمة الشهر الكريم، خرج مطرب شاب انفصل عن إعلامية شابة ليكشف أدق التفاصيل عن حياتهما الخاصة وما حدث من إجهاض لجنينها و«مين اللي صرف على مين»، وكل هذا في برنامج تقدمه مخرجة اشتهرت بالأفلام الفاضحة.. فلم يكن هناك استغراب من أن يكون برنامجها بهذا الشكل المتدني، ما مؤهلاتها الإعلامية والأخلاقية التي تسمح لها بتقديم برنامج على قناة يشاهدها قطاع من الجمهور؟!!.. ومن الذي سمح لها بتقديم مثل هذا البرنامج المستفز؟!!

ومنذ أيام خرجت فنانة ونجلها وهما يمارسان الرياضة بشكل أثار سخرية واستياء كثيرين، وهنا لا نعتب فقط على الجمهور الذي تطاول على الفنانة، بل نلوم أيضا الفنانة نفسها التي كان يجب أن تكون أكثر ذكاء وتدرك أننا في مجتمع يعاني من مرض التنمر، تنمر وعنصرية وجدت طريقها حتى لمن يرتدين «المايوه الشرعي»، فوجب عليها أن تعلم أن صورة خاصة مثل هذه ستعرضها للتنمر والإساءة.

إن الفنان أو المشهور عندما تسيطر عليه شهوة حب الظهور و«الشو» لدرجة تجعله لا يفرق بين نشر أعماله الفنية بشكل مشروع وبين فضح حياته الخاصة بشكل مهين هي التي شجعت بعض وسائل الإعلام على انتهاك حرمة حياته، فعلى المشاهير أن يكونوا حريصين كل الحرص فيما ينشرونه عن حياتهم الخاصة، فلا يجب أن تنشر الخلافات المنزلية أو العلاقات الزوجية التي مكانها بين جدران البيوت وليس في تسجيلات صوتية كما حدث مع والد المطرب المشهور وما نسب إليه من تسريبات عن علاقة ابنه بزوجته المطربة الشهيرة، بالأمس.

إن انتشار منهج البحث عن الفضائح وركوب الجانب السلبي من التريند بمعظم وسائل الإعلام الآن هو الذي جعل تناول الحياة الخاصة للمشاهير وجبة إعلامية دسمة عادية، وأصبح الإعلام يراقب خناقات الفنانين وعلاقاتهم، أكثر من أعمالهم الفنية التي هي الأجدر بالمتابعة والتغطية.

يجب تفعيل تشريعات إعلامية قوية تحفظ الحياة الخاصة للناس، سواء كانوا مشاهير أو من العامة، ويجب على هؤلاء المشاهير وغيرهم أن يدركوا نعمة الستر، وأن هناك مساحات معينة في حياتنا الخاصة يجب ألا تنشر، لأن ضرر ذلك أكثر بكثير من نفعه، وعلى وسائل الإعلام أن تتوقف عن استفزاز الجمهور بنشر أدق تفاصيل الحياة الخاصة للناس، ولو «التريند» سيظل يعزف على نغمة الحياة الخاصة، فليذهب إلى الجحيم هو وأتباعه.

26 يونيو 2021

القراءة كمان وكمان.. حكايتي مع عالم الكتب

 أيام قليلة وينطلق معرض القاهرة الدولي للكتاب في 30 يونيو 2021، هذا الموسم الذي يكون فرصة رائعة للعودة إلى عالم القراءة الواسع بعد أشهر يقضيها معظمنا بين أمواج الحياة اليومية المتلاطمة، ولقد بدأت تجربتي المتواضعة مع القراءة منذ المرحلة الابتدائية، عندما كنت أشتري الأعداد القديمة من مجلات بلبل وميكي وسمير وعلاء الدين، من رجل كان يفترش الأرض بجوار مترو السيدة زينب، وما زلت أذكر ملامح هذا الرجل حتى الآن رغم مرور سنوات كثيرة جدا، فقد كان يرتدي جلبابا وفوقه «جاكيت» ويعتمر على رأسه «شال»، ويستقر على وجهه شارب متوسط الطول والكثافة، وقد احتلت المياه الزرقاء إحدى عينيه، وكان يبيع أي مجلة بجنيه.

ثم اتجهت بعد ذلك إلى روايات الجيب، وخصوصا «رجل المستحيل» للراحل المبدع الدكتور نبيل فاروق، وكنت كلما أعجبني سطر أو جملة أقلب الكتاب لأنظر إلى صورة المؤلف نبيل فاروق على ظهر الكتاب، وكأنني أوجه التحية له على جمال الأسلوب والسرد والحفاظ على اللغة العربية الفصحى بمنتهى الإخلاص والبراعة، وكنت أستبدل أعداد «رجل المستحيل» الجديدة بالقديمة من سور كتب السيدة زينب بربع جنيه.

وإلى سور السيدة زينب حيث بدأت عاملا في بيع الكتب قبل سنوات عملي بالصحافة، وقتها كنت في السنة الأخيرة للجامعة، وإذا كانوا يقولون في الأمثال «طباخ السم بيدوقه» فما بالك ببائع الكتب والمعرفة؟.. كنت أنهل من كل كتاب بضع صفحات ومن كل بستان زهرة، هكذا كانت عادتي في القراءة فلا أذكر أنني انتهيت من قراءة كتاب «من الجلدة للجلدة»، إلا بضعة كتب، من بينها «الأمير» للإيطالي نيكولو ميكافيللي، والمجموعات القصصية للمبدع الراحل يوسف إدريس، وأبرزها «بيت من لحم»، وكتاب «مغامرات صحفي في قاع المجتمع المصري» لـ عبدالعاطي حامد، الصحفي بـ«أخبار اليوم» في فترة السبعينيات، وكتاب «النكتة السياسية» لـ عادل حمودة، وقرأت بعضا من «النحو الشافي» للأردني محمود حسني مغالسة، وأسعى للانتهاء من قراءته كاملا لأنه كتاب مفيد ومبسَّط.

الآن، وبحكم عملي محررا للديسك، فيوميا أقرأ آلاف الكلمات في المواد الصحفية التي أراجعها قبل النشر، وبالتبعية أقرأ عشرات الأخبار هنا وهناك لمتابعة الأحداث، وكل كلمة أقرأها أتعلم منها، فأصل في النهاية إلى نتائج مثمرة، كأن أكتب موضوعا أو مقالا، أو حتى أبني موقفا أو قرارا، وكل هذا بفضل القراءة التي هي غذاء العقل، فعقل لا يقرأ هو عقل هزيل أو ليس عقل إنسان من الأساس، فمن ضمن الفروق بين الإنسان والكائنات الأخرى أن «الإنسان كائن قارئ».

يا أمة «اقرأ»، علموا أولادكم أن السلاح الحقيقي والوجاهة الاجتماعية ليست في أحدث موديل من السيارات أو في التقليد الأعمى لبعض المشاهير من طريقة أزياء أو تصفيفات شعر أو طريقة كلام، إنما السلاح الحقيقي في أمة تقرأ.. السلاح الحقيقي أمام موجات غسيل الأدمغة والغزو الثقافي الذي يمارسه الغرب عبر الأفلام أو ألعاب الفيديو.. اللهم اجعلنا ممن يحرصون على القراءة.

24 يونيو 2021

شركة «المُحدِثين» المحدودة

  • عجيب ومستفز هو أمر الذين طفحوا على الساحة حديثا وعملوا فلوس من الهوا والضحك على الناس وعلى أنفسهم، فتكون نهايتهم إما السجن كما حدث مع حنين حسام ومودة الأدهم، أو يبقون خارج السجن يستفزون البسطاء باستعراض سياراتهم الفاخرة وزينتهم الزائلة، ثم يتهمون الناس بالحسد والحقد كما فعل بالأمس المدعو حمو بيكا!!

    وبعد أن كانت فضة المعداوي في مسلسل الراية البيضا هي التي تنادي وتقول «ولاااا يا حموووو.. التمساحة يلااااا»، أصبح «حمو» الآن هو الذي يمتلك أحدث موديل من السيارات ويخشى من الحسد و«بيخمِّس في وشنا كمان»، ويا للعجب!

    على ماذا سنحسدكم؟، هل أصبحت الحياة مجرد أموال وسيارات وشهرة فقط؟.. ماذا عن نعمة الستر والصحة وقضاء الحوائج بالكتمان الذي أمرنا الله به؟ وأن تعيش على قدر حاجتك فلا تطغى ولا تتجبَّر كما يفعل هؤلاء «المُحدِثون».

    من حق هؤلاء أن ينشروا ما يريدون على صفحاتهم الشخصية ولكن هناك حدودا لكل شيء حتى الحرية، فلا يجب أن تتعارض حريتك مع قيم المجتمع المصري المحافظ.. لا شتائم ولا عري ولا تحريض على العري أو العنف.. وفي نفس الوقت لا تتهم الناس مسبقا بالحسد والحقد على ما عندك لأن هناك نِعما أخرى عند هؤلاء الناس أنت محروم منها.. فلا أحد كامل.. وإذا كنت تخشى الحسد فلا تنشر شيئا من أساسه.. لأن زمان قالوا لنا إن «اللي بيخاف من العفريت بيطلع له»!

    21 يونيو 2021

    «رمضان الأب»

    في الحقيقة لا أحتاج كثيرًا إلى «يوم الأب» لأتذكر أبي الراحل وأفضاله بعد الله على العبد لله، فكل يوم أستدعيه في ذاكرتي هو ووالدتي الراحلة، وأقول «ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرا»، فهذان العظيمان، الأب والأم، لا تكفي عشرات الكتب للحديث عن دورهما وكفاحهما في تربية الأبناء.

    ولـ«رمضان الأب» مواقف عديدة لن تمحوها الأيام، فهذا الرجل لطالما كنت أسمع دعواته ساجدا وهو يرجو من الله «دوام الرزق الحلال»، حيث إن «الأسطى رمضان» بعد خروجه على المعاش من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 1998 لم يتقاعس ويمكث في منزله ليلعب الدومينو أو الكوتشينة مكتفيا بالمعاش، رغم أنه حق مشروع لرجل تجاوز الستين عاما في ذلك الوقت، لا أقصد «الدومينو والكوتشينة» بالطبع إنما أقصد الراحة التامة والاسترخاء والاستمتاع بما تبقى من العمر، ولكن لأن يده اعتادت العمل والشقاء فواصلت السعي، وكان «رمضان الأب» يعمل كهربائيا، وهي المهنة التي امتهنها أثناء فترة عمله في الجهاز، وظل الرجل يتولى صيانة وتركيب الكهرباء للناس ويدخل بيوتهم ويحفظ أسرارهم ويصب تركيزه في «السلك أو اللمبة أو المفك التيست» الذي في يده مبتعدا عن حياة الناس الخاصة.

    بعض الناس كانت لا تقدِّر تعب «الأسطى رمضان» الرجل المسن الذي ظل يعمل في مهنة خطيرة وشاقة مثل الكهرباء حتى تجاوز السبعين من عمره، ففي يوم وجدته يقول لنا شاكيًا «طلعت 90 سِلِّمة واشتغلت وفي الآخر خدت 5 جنيه.. الحمد لله»، وكانت هذه الخمسة جنيه تحمل البركة للمنزل كله، فكنا نحضر عشاءنا بها، أو نشتري بها مستلزمات دراستنا في ذلك الوقت، وكأن دعوة «رمضان» بـ«الرزق الحلال» كانت مستجابة.

    كان والدي رحمه الله يتمتع بقوة بدنية، لا تقل شيئا عن قوة إرادته وإيمانه بالله، فكان السبعيني يحمل السلم الخشبي بذراع واحدة، وكان يمسك بالمطرقة ويضرب الحائط بيد لا تعرف الارتعاش، وأذكر أنه عندما شُرخت قدمي تحت عجلات سيارة أثناء لعبي الكرة، حملني على كتفه إلى «استقبال المستشفى» لعمل جبيرة لقدمي، ولعل هذه القوة والإرادة اكتسبها بسبب ممارسته للمصارعة الرومانية في شبابه ومشاركته في نصر أكتوبر 1973 حيث أصيبت ساقه بشظية تركت جرحا غائرا إلا أنها لم تسبب له أي إعاقة بفضل الله.

    على مائدة الطعام كان «الأسطى رمضان» يتناول طعامه سريعا ويسبقنا قائلا: «أنا آكل أكل الجِمال وأقوم قبل العيال»، ولكن إذا كان لدينا ضيوف يعدِّل مقولته قائلا «وأقوم قبل الرجال»، وكان إذا «اتقمص» أحدنا من الطعام ولم يعجبه يقول له «رمضان الأب»: «اللي ياكل على ضرسه بينفع نفسه» فتقع هذه المقولة كالسحر على أطفال في سننا فيتغير شكل الطعام في أعيننا ونجد أنفسنا نتناوله بنفس راضية.. هذا هو الأب الذي يفتح شهية أبنائه ويلقنهم درس القناعة بأبسط الكلمات.

    بعد تناول الطعام، كانت الأسرة تلعب الكوتشينة وتحديدا «لعبة الشايب»، لأنها أكثر لعبة كوتشينة خفيفة الظل وتناسب العائلة، وكانت أحكام «رمضان الأب» على الخاسر في اللعبة طريفة للغاية، فكان يقول له «يلا قوم اعمل لنا طقم شاي»، أو «قول أنا قرد»، وللحق أننا أصبحنا نفتقد مثل هذه الجلسات العائلية الطريفة التي ماتت الآن بسبب السوشيال ميديا والوسائل الحديثة التي أسيء استخدامها وأحدثت حالة من التفسخ الاجتماعي الرهيب.

    في المصيف كانت لنا أيام ممتعة مع والدي، مجرد تذكرها يخفق القلب وينعش الروح، كنا نذهب إلى جمصة أو رأس البر ضمن مصيف الجهاز المركزي للتعبئة العامة الذي كان يعمل فيه أبي، وكان الراحل غواصا ماهرا يغطس تحت الماء وتبحث عنه لتجده قد أطل برأسه من خلفك ضاحكا أو يرش الماء في وجهك ممازحا، فيكون اليوم الأخير في أيام المصيف بمثابة كابوس لأننا سنحرم من هذه اللحظات الممتعة الرائعة وننتظرها تعود في الصيف المقبل.

    أمام التلفاز كانت ذاكرة «رمضان الأب» ومعرفته لكل أسماء الفنانين حاضرة بقوة، وربما من الأشياء التي ورثتها عنه حب الفن الجميل ونجومه، كنا نجلس أمام الشاشة محدقين أعيننا فيفاجئنا الراحل «تعرفوا الممثل ده اسمه إيه؟».. «لا، اسمه إيه؟».. «عبدالرحيم الزرقاني».. «وده عايش ولا ميت؟».. «يوووووووه، ده مات وشبع موت».

    في أواخر عام 2011 اهتز «جبل الخير والإرادة»، أصيب والدي بجلطة نتيجة مضاعفات مرض السكر الذي أصابه لعدة سنوات، هزم المرض جسده إلا أنه لم يهزم إرادته فكان يحافظ على الصلوات بل إنه حاول ذات مرة أن يمسك بالمفك ويصلح كشاف «اللمبة النيون» مستعيدا أمجاده في الكهرباء، وكانت المفاجأة أنه نجح في تركيب اللمبة، حارب «رمضان الأب» المرض 5 سنوات (2011-2016) حتى التقى ربه في فجر يوم 1 فبراير 2016 وظل جثمانه الطاهر في منزله ليلة كاملة لأنه توفي في وقت متأخر، وكانت هذه فرصة لإلقاء نظرة الوداع والدعاء لهذا الرجل الذي رحل بعد أن أدى رسالته بإخلاص وصبر وقوة.. نَم قرير العين يا رمضان، فلقد تركت أبناء صالحين يدعون لك.

    16 نوفمبر 2013

    الموت كل جمعة.. لماذا ؟.. ولمن ؟

    لا يمر يوم جمعة إلا ويشهد بلدنا اشتباكات بين الأهالي وقوات الأمن من جانب وبين جماعة الإخوان وأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي من جانب آخر، ويسقط قتلى ومصابون من الجانبين، أطفال وفتيات وشباب وطلاب جامعات يلقون مصرعهم أو يصابون.. لماذا ؟ّ!!.. ومن أجل ماذا ؟!!.. ومن أجل من ؟!!.. من هذا الشخص وما هذا المنصب الزائل وما هذه السياسة اللعينة التي تستحق كل هذه الأرواح والدماء ؟!!.. إن يوم الجمعة يوم عظيم لماذا يتحول إلى يوم دموي في مستنقع الغباء السياسي.. هل لو مات شباب مصر كلهم وأُصيبوا ولم يبق في البلد إلا الرئيس المعزول محمد مرسي والفريق أول عبد الفتاح السيسي هل سينهض هذا البلد ويتقدم بهذين الشخصين فقط ؟!!
    بعد أيام قليلة، تسترجع مصر ذكرى أحداث شارع محمد محمود والمواجهات التي حدثت بين المتظاهرين وقوات الشرطة في محيط وزارة الداخلية ومات فيها من مات وأُصيب من أُصيب وفقد البعض عينه مثل الدكتور أحمد حرارة، هل فكر القائمون على الحكم الآن - مجرد تفكير - في محاسبة المتورطين في هذه المجزرة وعلى رأسهم المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، الذي يسعى "مجهولون" لتلميعه لمنصب الرئاسة، لماذا يتستر كل نظام على جرائم النظام السابق له وتضيع حقوق المظلومين في هذا "التستر المفضوح" ؟!!.. أيها المسؤولون، إن الله سيسألكم جميعًا عن تلك الدماء والأرواح ووقتها لن تجدوا حجة أو حصانة أو قوات أو "مليشيات" تحميكم من عقاب الواحد الديان.

    7 نوفمبر 2013

    الصراع السياسي مستمر.. والمواطن ينتظر !

    بقلم  - محمد رمضان


    مضى يومان على مثول ثاني رئيس لمصر "خلف القضبان" في مشهد تاريخي يثبت للعالم أن التغيير في مصر منذ ثورة يناير يشهد تطورات ومواقف جديدة وهي أنه "لا أحد فوق القانون"، وإن كانت هذه "المكاسب القليلة والمحدودة" لا تفي وتحقق حاجة البسطاء من الشعب في الحرية والعيش الكريم والعدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي والتي تعتبر كلها من أهم أهداف ثورتي يناير ويونيو، والتي تعجز حكومات ما بعد الثورة عن تلبيتها وتحقق أصفارًا في تهيئة المناخ المستقر المزدهر الحر للمواطنين بسبب انشغالها في "صراعات سياسية عديمة الجدوى".
    فموضوع كموضوع محاكمة الرئيس المعزول محمد مرسي مثلاً لم يمر مرور الكرام، وتم اعتباره "جولة سياسية جديدة" في الصراع القائم بين جماعة الإخوان والحكومة الانتقالية المدعومة من المؤسسة العسكرية، ففي حين رأت الجماعة أن المحاكمة أظهرت مرسي في موقف "الشجاع الثابت على موقفه"، ترى الحكومة أنها تطبق دولة القانون وتحاكم رئيسًا عزله الجيش بإرادة شعبية.. هكذا تم "تسييس" محاكمة مرسي، ولما العجب في ذلك وقد تم تسييس مباراة كرة القدم بين مصر وغانا أيضًا، مجرد "لعبة رياضية" تحولت إلى "جولة سياسية" وبدلاً من اتحاد المصريين بكل طوائفهم خلف منتخب بلادهم قسّمتهم السياسة ولغة المصالح.
    ترى ما حال المواطن البسيط الآن وهو ينظر إلى الفريقين المتناحرين في بحر السياسة البغيض ؟!!.. هذا المواطن الذي انتظر طويلاً.. انتظر غذاءً نظيفًا ودواءً ومسكنًا وفرصة عمل، والحكومات لا تجيب والأحزاب السياسية لا تقدم البديل وتنشغل بالتحالفات والتلاسنات والصراعات.. والمواطن ينتظر.. وينتظر.. وينتظر!!

    29 أغسطس 2013

    الارتباك هو الداء

    بعد نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011- وأذكر تلك الثورة التي سأظل وغيري نسميها "ثورة" رغم أنف الخفافيش وراكبي الأمواج الذين يريدون محوها محوًا من ذاكرة الأجيال- بعد نجاحها في الإطاحة بنظام لطالما قبض على السلطة واستخدم في ذلك كل الوسائل من تعذيب وقمع وتزوير للإرادة الشعبية من أجل الاحتفاظ بالكرسي، ظننا جميعًا أنه بنجاح تلك الثورة ستستقر الأمور وتصبح الدنيا "وردي" كما يقولون.. ظننا أنه أخيرًا سيصبح لدينا نظام ديمقراطي منتخب واقتصاد يضع حقوق الفقراء وعامة الشعب في الاعتبار، أخيرًا ستختفي المحسوبية وسيذهب الفساد والتزوير والاستبداد والقمع إلى غير رجعة، ولكنه كان الارتباك.. الارتباك في كل شيء ومن كل الأطراف، مجلس عسكري مرتبك.. ثوار مرتبكون.. أحزاب مدنية مرتبكة.. إخوان مرتبكون وإن كانوا على هدفهم ومطمعهم عازمين.. فكانت النتيجة مرحلة انتقالية مرتبكة نتج عنها دستور مشوه وبرلمان تحكمه جماعة واحدة تمامًا مثل "برلمان الحزب الوطني المنحل"، ورئيس تحكمه عصابة تقبع في حجرة مظلمة بالمقطم.. نظام ديكتاتوري آخر ثار عليه الشعب، فاستجاب الجيش وتدخل لعزل الرئيس الذي لم يستجب ولم يحقق مطالب وطموحات الناخبين الذين جاءوا به إلى سدة الحكم، في حركة يسميها البعض "ثورة" والبعض الآخر يراها "انقلابًا" وهناك من يراها "تصحيحا" لمسار ثورة الخامس والعشرين من يناير ولكل وجهة نظره وحجته في ذلك، وها هو الارتباك لا زال مسيطرًا، مليشيات إجرامية مسلحة ترهب المواطنين في الشوارع ودور العبادة.. نظام لم نرَ منه حتى الآن إلا الطبيعة الأمنية البوليسية، وربما طبيعة المرحلة هي التي تدفعه لتكثيف وتركيز اهتمامه على الجانب الأمني، وإن كانت حكومة الدكتور الببلاوي كذلك ليست بالفعالية والتأثير والشفافية التي ينتظرها المواطن، لذلك فالحكومة الانتقالية مطالبة ببذل المزيد من الجهود حتى تصل بالبلاد إلى بر الأمان، وإياكم والارتباك حتى لا ينتهي بنا الحال إلى نظام مشوه آخر وتصبح البلاد في حالة اضطراب وعنف دائمين.. وأعتقد بأن حالة البلاد وظروف المواطنين لن تتحمل المزيد من الاضطرابات.