28 فبراير 2026

مودي بيحب مين؟!!.. تحليل لزيارة رئيس وزراء الهند لإسرائيل


يبدو أن ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، ليس رجل سياسة عاديًا، بل شخص عاطفي يجيد اختيار الكلمات المنمَّقة، ولكن السؤال «مودي بيحب مين؟»، هذا ما ظهر في زيارة رئيس الوزراء الهندي الأخيرة إلى إسرائيل، ومدى «الحفاوة» التي شهدتها هذه الزيارة، والصور التي أظهرت حالة «الود والتقارب» بين مودي ونظيره الإسرائيلي نتنياهو، وهنا يبرز سؤال آخر.. هل علاقة مودي بـ«نتنياهو» هي «قصة حب سياسية مصلحية»، أم أنها تحول استراتيجي في عقيدة الهند التي كانت تاريخيًا تميل للمعسكر العربي؟


الهند التي شاركت مصر في تأسيس حركة عدم الانحياز، في زمن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ورئيس وزراء الهند الراحل جواهر لال نهرو، ومؤخرًا تتزامل مع مصر أيضًا في عضوية دول «البريكس»، ها هي الآن تزيد من ارتمائها في أحضان إسرائيل، وهو ما ظهر في كلمات «مودي» أمام الكنيست، إذ أصبح أول رئيس وزراء هندي يلقي خطابًا أمام برلمان إسرائيل، لدرجة أنه ربط علاقات بلاده مع إسرائيل بيوم ميلاده في 17 سبتمبر 1950، مشيرا إلى أنه اليوم نفسه الذي اعترفت فيه الهند بإسرائيل!!، وبالطبع رد نتنياهو على مودي بقصيدة حب أخرى، واصفا إياه بأنه «أكثر من صديق، بل أخ».

مودي انقلب اليوم على مبادئ سلفه المهاتما غاندي الذي أقر بأن «فلسطين للفلسطينيين، كما أن إنجلترا للإنجليز»، وخرجت العلاقات الهندية الإسرائيلية من «الغرف المغلقة» خوفًا من الغضب العربي، لتصبح الآن شيئا يفتخر به «مودي» وحكومته، مقرًا بأنه الهند «تقف إلى جانب إسرائيل الآن ومستقبلاً».


هذا التحول الـ180 درجة في المبادئ الهندية، تجسَّد أيضًا في العلاقات العسكرية مع إسرائيل، فهذه الدولة الآسيوية هي أكبر «زبون» في سوق السلاح الإسرائيلية، إذ وافقت إسرائيل على صفقات أسلحة مع الهند بقيمة 8.6 مليار دولار في عام 2026، كما يمتد التعاون إلى مجالات أخرى ومنها دعم إسرائيل للهند في مجال تحلية المياه.


التقارب امتد أيضا إلى الجانب الفكري والأيديولوجي، إذ اتفق الطرفان على محاربة ما وصفه بـ«الإرهاب»، وتشاء الأقدار، في اليوم التالي لهذه التصريحات، أن يشتعل التوتر بين أفغانستان وجارتها باكستان (النسخة المسلمة من الهند)، وأنهى مودي زيارته لإسرائيل بالأمس بالتوقيع على 16 مذكرة تفاهم في مجالات ثنائية مختلفة، بقيمة 10 مليارات دولار، ليطرح ذلك سؤالا آخر.. هل يضحي مودي بعلاقاته مع البلدان العربية وخصوصا الخليج من أجل عيون إسرائيل، أم أن «البراجماتية الهندية» ستجيد اللعب على كل الحبال؟!!


هذا التقارب المستفز واللافت بين الهند، بقيادة «مودي» وإسرائيل، يجيب على السؤال المطروح في البداية، وأظن أننا عرفنا الآن «مودي بيحب مين؟».. ولكن السؤال الأهم الآن «هل كلهم بيحبوا مودي؟».

13 فبراير 2026

قصص من عالم "روبلوكس" في مصر: بين طموح الأرباح اليومية وصدمة الخسائر الكبرى

في الآونة الأخيرة، تصدرت لعبة "روبلوكس" (Roblox) منصات التواصل الاجتماعي في مصر، ليس فقط لكونها منصة للألعاب، بل كساحة اقتصادية أثارت جدلاً واسعاً بين من يراها باباً للرزق ومن يعتبرها استثماراً محفوفاً بالمخاطر. وفي ظل قرارات الحظر الأخيرة، برزت قصص إنسانية تعكس التباين الشديد في تجارب المستخدمين.

من الهواية إلى "العمل الحر": 500 جنيه في يوم واحد

وفي جروب على فيسبوك مختص بالألعاب الإلكترونية، قال شاب مصري إنه تمكَّن من تحقيق عائد مادي وصل إلى 500 جنيه مصري في يوم واحد من خلال منصة روبلوكس.

وتعتمد هذه الأرباح بشكل أساسي على قدرة المستخدم في تصميم "عوالم" أو "أدوات" داخل اللعبة وبيعها مقابل عملة "الروبوكس"، والتي يتم تحويلها لاحقاً عبر وسطاء أو طرق سحب معينة إلى سيولة نقدية، تعكس هذه القصة قدرة الجيل الجديد على تطويع أدوات التكنولوجيا لخلق "فرص عمل بديلة" غير تقليدية.

الجانب القاتم: خسائر تصل لنصف مليون جنيه

على النقيض تماماً، تسببت قرارات حظر اللعبة في مصر في صدمة كبيرة لقطاع آخر من المستثمرين فيها. حيث نقلت مشاركات عبر السوشيال ميديا معاناة أحد المستخدمين الذي أكد أن خسائره بلغت قرابة نصف مليون جنيه مصري.

وتعود أسباب هذه الخسارة الضخمة إلى استثمار مبالغ طائلة في شراء الأصول الرقمية، "الموديلات"، أو امتلاك "سيرفرات" خاصة ذات قيمة تجارية عالية داخل المنصة. وبمجرد الحظر، أصبح الوصول إلى هذه الاستثمارات شبه مستحيل، مما حول "الأصول الرقمية" إلى أرقام مجمدة خلف جدران الحجب.

رؤية هادئة للمشهد

إن ما يحدث في ملف "روبلوكس مصر" يتطلب نظرة أعمق من مجرد كونه "لعبة أطفال". نحن أمام اقتصاد رقمي ناشئ يحتاج إلى:

  • التوعية بمخاطر الاستثمار الرقمي: فالمبالغ الكبيرة في منصات غير مركزية قد تتبخر بقرار تقني أو قانوني.

  • فهم طبيعة العمل الحر عبر الألعاب: وكيف يمكن للشباب تحقيق مكاسب مشروعة من مهارات البرمجة والتصميم.

ختاماً، تبقى "روبلوكس" مثالاً حياً على كيف يمكن لبرمجيات بسيطة أن تغير حيوات أشخاص؛ فبينما يراها البعض "مصدر دخل يومي" يساعد في مجابهة أعباء الحياة، يراها آخرون "درساً قاسياً" في استثمار الأموال بمنصات متغيرة.



12 فبراير 2026

لغز "جزيرة الحيتان": هل توقعت ألعاب الفيديو فضيحة جيفري إبستين قبل حدوثها؟

 

منذ سنوات، والعالم يعيش في حالة من الصدمة بعد الكشف عن تفاصيل "جزيرة الشياطين" أو جزيرة "ليتل سانت جيمس" المملوكة للملياردير جيفري إبستين. ولكن، بعيداً عن تقارير الأخبار والوثائقيات التقليدية، هناك زاوية مرعبة لم يلتفت إليها الكثيرون: عالم ألعاب الفيديو، وعالم الدراما أيضًا!!

هل من الممكن أن يكون مطورو الألعاب قد أرسلوا لنا "شفرات" تحذيرية عما يحدث في تلك الجزر المعزولة؟ اليوم سنفك شفرة التشابه الصادم بين واقع إبستين وخيال الألعاب مثل Hitman و Squid Game.

الهروب من القانون: لماذا "الجزيرة" دائماً؟

في عالم السياسة والمال، الجزيرة ليست مجرد مكان للاستجمام، بل هي "فراغ قانوني". جيفري إبستين اختار جزيرته بعناية لتكون بعيدة عن أعين الرقابة، وهو بالضبط ما نراه في إحدى مهمات العميل 47 (Agent 47) في لعبة Hitman.

في الألعاب، دائماً ما نجد "الشرير الحقيقي" يختبئ في جزيرة خاصة، حيث يمارس نفوذه بعيداً عن الدساتير والقوانين. هذا التشابه ليس مجرد صدفة، بل هو تجسيد لفكرة "السيادة المطلقة" للأثرياء.

شاهد الآن: التحليل الكامل للربط بين هيتمان وواقع إبستين.


التشابه المرعب: من "إبستين" إلى "لعبة الحبار"

إذا تأملت في مسلسل Squid Game (لعبة الحبار)، ستجد أن الأثرياء (VIPs) يرتدون أقنعة ويشاهدون معاناة الآخرين من وراء الزجاج في جزيرة معزولة. هذا "النمط" هو نفسه الذي تكرر في التحقيقات حول ما كان يحدث في جزيرة إبستين؛ حيث يتحول البشر إلى "أدوات ترفيه" لأصحاب المليارات.

ثلاثية السيطرة: (المال - العزلة - غياب المحاسبة)

  1. المال: الذي يشتري الصمت والولاء.

  2. العزلة: الجزر المعزولة التي تمنع المتطفلين.

  3. غياب المحاسبة: حيث يتم وضع "قوانين خاصة" داخل حدود الجزيرة.


العميل 47 وفك شفرة "النخبة"

لعبة Hitman بالذات قدمت لنا مراحل تدور في جزر خاصة للأثرياء الذين يظنون أنهم فوق القانون. المثير للدهشة هو كيف استطاع المطورون تصوير "سيكولوجية" هؤلاء الأشخاص؛ الهوس بالخصوصية، الغرور القاتل، والاعتقاد بأن العالم مجرد "لعبة" وهم من يملكون أذرع التحكم.


خاتمة: هل الواقع مجرد "جيم" كبير؟

إن قصة جيفري إبستين وجزيرته ليست مجرد جريمة جنائية، بل هي مرآة تعكس أعمق مخاوفنا التي طالما رأيناها في الألعاب. ربما كانت تلك الألعاب تحاول تنبيهنا إلى أن "الوحوش الحقيقية" لا تعيش في الكهوف، بل في جزر خاصة ومحصنة بالمال والنفوذ.

ما رأيك أنت؟ هل تعتقد أن مطوري الألعاب يملكون معلومات لا نعرفها؟ شاركنا برأيك في التعليقات.

11 فبراير 2026

ما سر خاصية Discord Age Verification ؟.. موقع التواصل الرقمي يثير الجدل

 

في السنوات الأخيرة أصبح ديسكورد (Discord) واحدًا من أهم منصات التواصل الرقمي في العالم، ولم يعد مقتصرًا فقط على مجتمع اللاعبين كما كان في بدايته، بل تحول إلى مساحة اجتماعية تجمع بين المجتمعات التقنية، التعليمية، الإبداعية وحتى المهنية، وازداد الحديث عنه مؤخرا بعد إضافة خاصية Discord Age Verification

ما هو ديسكورد؟

ديسكورد هو تطبيق تواصل مجاني يتيح للمستخدمين إنشاء خوادم (Servers) خاصة أو عامة، تضم قنوات نصية وصوتية ومرئية، يمكن من خلاله إجراء مكالمات صوتية، بث مباشر، مشاركة ملفات، وإنشاء مجتمعات كاملة حول اهتمامات محددة.

انطلق ديسكورد عام 2015 مستهدفًا اللاعبين الذين يحتاجون وسيلة تواصل سريعة أثناء اللعب، لكنه سرعان ما توسع ليشمل ملايين المستخدمين من مختلف المجالات.

لماذا انتشر ديسكورد بهذه السرعة؟

هناك عدة أسباب وراء الانتشار الكبير لديسكورد:

  • سهولة إنشاء وإدارة الخوادم

  • جودة الاتصال الصوتي المنخفضة التأخير

  • دعم البوتات التي تضيف خصائص إدارية وترفيهية

  • إمكانية إنشاء أدوار (Roles) لتنظيم الأعضاء

  • دعم المجتمعات الكبيرة باحترافية

كما أن المنصة تدعم العمل من خلال الكمبيوتر والهاتف، مما يجعلها مرنة وسهلة الاستخدام.

الأمان والخصوصية في ديسكورد

مع ازدياد أعداد المستخدمين، أصبحت مسألة الأمان أولوية أساسية. لذلك عملت الشركة على تطوير أدوات حماية متعددة، مثل:

  • أنظمة الإبلاغ عن المخالفات

  • أدوات مراقبة المحتوى

  • إعدادات خصوصية متقدمة

  • خاصية التحقق من البريد والهاتف

ومن أبرز التحديثات التي أثارت اهتمام المستخدمين مؤخرًا هي ميزة Discord Age Verification، والتي تهدف إلى التحقق من أعمار المستخدمين لضمان توفير بيئة آمنة، خصوصًا في الخوادم التي تحتوي على محتوى مخصص لفئات عمرية معينة. هذه الخطوة جاءت استجابة لزيادة المخاوف المتعلقة بحماية القُصّر وتنظيم الوصول إلى المحتوى الحساس.

استخدامات ديسكورد خارج نطاق الألعاب

لم يعد ديسكورد مجرد منصة للعب الجماعي، بل أصبح يُستخدم في:

  • إنشاء مجتمعات تعليمية

  • إدارة فرق العمل عن بُعد

  • تنظيم الفعاليات الرقمية

  • بث المحتوى المباشر

  • بناء جمهور لصُنَّاع المحتوى

الكثير من صناع المحتوى باتوا يستخدمون ديسكورد كمساحة تفاعلية للتواصل مع جمهورهم بشكل أعمق بعيدًا عن خوارزميات المنصات التقليدية.

هل ديسكورد مناسب للجميع؟

رغم المميزات الكبيرة، إلا أن تجربة الاستخدام تعتمد على نوع الخوادم التي ينضم إليها المستخدم، فكما هو الحال في أي منصة اجتماعية، توجد مجتمعات إيجابية ومفيدة، وأخرى قد لا تكون مناسبة.

لذلك يُنصح دائمًا بمراجعة إعدادات الخصوصية، وتفعيل وسائل الحماية المتاحة، واختيار المجتمعات بعناية.

الخلاصة

ديسكورد لم يعد مجرد تطبيق دردشة، بل أصبح بيئة رقمية متكاملة تُمكّن المستخدمين من بناء مجتمعات حقيقية حول اهتمامات مشتركة. ومع التحديثات المستمرة مثل Discord Age Verification، يبدو أن المنصة تسعى لتحقيق توازن بين الحرية والأمان، مما يعزز من استمراريتها ونموها في المستقبل.

9 أبريل 2023

يوميات رمضانية (6).. هذا ما حدث في جمصة!

كلما ذُكرت كلمة جمصة تنتابني القشعريرة وأشرد بخيالي عائدا إلى الزمن الجميل واللمَّة الحلوة، عندما كان أبي الراحل - رحمه الله- يأخذنا في رحلة إلى تلك المدينة البسيطة التي هي «مصيف الغلابة» والتي تقع في محافظة الدقهلية التي تنتمي إليها أمي الراحلة - رحمها الله.

كان الطريق إلى جمصة يبدأ إما من مسكننا في السيدة زينب، أو أثناء زيارتنا لأقاربنا في الدقهلية، نذهب مستقلين أتوبيس يضم عددا من موظفي الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وعائلاتهم، حيث كان أبي يعمل كهربائيا بالجهاز قبل خروجه للمعاش في عام 1998، وكنا نذهب إلى مصيف تابع للجهاز.

كم كانت الأجواء في أتوبيس جمصة كلها ود ومرح واحترام متبادل بين هذا الكم من العائلات المتباين فكريًا واجتماعيًا، أحاديث كثيرة كانت تدور عن «العيال في سنة كام؟.. واتفضل ساندوتش حلاوة طحينية.. وكوباية مية ساقعة من الكولمان».. ولا بأس من بعض النكت.. أيام ما كان فيه نكت وكانت النفوس بسيطة وراضية.

الشقق التي كنا نستقر فيها بمصيف جمصة كانت «بين البينين»، فلا هي بالفارهة الوثيرة المترفة ولا هي بالبائسة المقفرة المقرفة، وإنما كل شيء فيها كان آدميًا ومؤديًا لأغراضه على أكمل وجه، وأذكر أن الشقة كان فيها شمسية وكرسيين للشاطئ، وكانت هناك حديقة جميلة ما زلت أذكر رائحة ورودها، أمام العمارة التي تحوي عددا من الشقق التي استقر فيها موظفو الجهاز بعائلاتهم.

كنا نحضر معنا في رحلة جمصة الكوتشينة والدومينو ونلعب لعبة «الشايب وأحكامه»، وكم كانت أحكام أبي كوميدية مضحكة، كأن يقول للمحكوم عليه «قول أنا قرد» أو «اعملنا طقم شاي» أو «لف لفة في الشقة كلها»، وكنا نجلب معنا أيضا ترمس الشاي الذي يحتفظ بحرارة السوائل بداخله لنشربها على البحر.

وأتذكر ذلك البيت البسيط الصغير الذي بنيته على الشاطئ عن طريق قالب الرمل داخل الجردل وحفرت ثقوبًا به وكأنها نوافذ وأبواب، واشترك معي أخي ومجموعة من أبناء أحد زملاء أبي، وما زلت أتذكر «أم الخلول» و«الخد الجميل» والدرة والبطاطا والجيلاتي والمشبك، وخروجة المساء في شوارع جمصة، والترسة التي رأيتها تسبح في طست عند أحد المحال.

في نهاية الرحلة دائمًا ما كنت أتمنى أن تعود إجازة الصيف سريعًا مرة أخرى بعد زحمة المدارس التي تخطفنا من هذه الرحلة الجميلة في جمصة.

30 مارس 2023

يوميات رمضانية (5).. سيبها على الله وتوكَّل

في رمضان وفي غير رمضان، دستورنا في الحياة وشعارنا هو «سيبها على الله»، هذه العبارة صغيرة المبنى عظيمة المعنى، التي تحمل في طياتها ومعناها التسليم والاعتراف والإيمان بقدرة الله العظيمة، وفي الوقت ذاته تحمل التواكل والتقاعس والتكاسل إذا لم نحسن فهمها واستخدامها.

إن الأنبياء أنفسهم أدركوا المعنى الصحيح للتوكل على الله حق توكله فرزقهم كما يرزق الطير، كانوا يعملون ويأخذون بالأسباب ويجتهدون، ولا يجلسون مكتوفي الأيدي في قضاء حوائجهم بل وحوائج أهلهم وأقوامهم، فها هو نبي الله نوح يبني السفينة بنفسه رغم سخرية قومه منه، ونبي الله داود يصنع الدروع، ونبي الله موسى يضرب بعصاه البحر فينفلق شطرين وينقذ قومه من بطش فرعون، ومسك الختام النبي محمد رسول الله كان يعمل بالتجارة ورعاية وتربية الأغنام ويدعو إلى الله ويرعى أهل بيته، ويقود بنفسه الغزوات للدفاع عن الأمة الإسلامية والمستضعفين من بطش الباطشين وأعداء الدين، والكثير والكثير من قصص الأنبياء والمرسلين.

هل كان للسفينة أن تُبنى وحدها؟، أو الدروع تصنع بدون عمل؟، أو البحر ينفلق دون تدخل؟، أو ينتصر المسلمون في غزواتهم دون قائد يشد من أزرهم؟.. كان من الممكن -بقدرة ومشيئة الله- أن يحدث كل هذا دون جهد من الأنبياء الذين هم أطهر الخلق.. ولكن الله يعطي درسًا للبشرية بضرورة السعي والأخذ بالأسباب والتحرك ولو بقليل من الخطوات والمجهود.

لطف الله وكرمه حاضر دائما، وأرزاقنا مكتوبة منذ أن أوجدنا الله في بطون أمهاتنا، ولكن السعي مطلوب أيضا وشرط ضروري لإتمام وقضاء الحاجة.

إن مصطلح «سيبها على الله» نحتاج إلى التعامل معه بشيء من الحيادية، فلا نتقاعس ونتكاسل ونحن نطلب أرزاقنا وحوائجنا وفي الوقت ذاته نكون مؤمنين إيمانًا تامًا بأن الله لن يتخلى عنا أبدًا وسيدبِّر ويختار لنا كل خير إذا أحسنا الظن به والتوكل عليه.. «سيبها على الله وتوكَّل».

27 مارس 2023

يوميات رمضانية (4).. أنا برضه من السيدة

وُلدت وقضيت عمري حتى الآن في حي السيدة زينب العريق بالقاهرة، فقد وُلدت لأب من هذا الحي العريق أبًا عن جد، أما والدتي- رحمها الله- فهي من ريف محافظة الدقهلية ولكنها قضت نصف عمرها في السيدة زينب، وبهذا أجمع في جيناتي بين جدعنة وشهامة الحي الشعبي وبساطة وطيبة الريف المصري.. وأتمنى فعلا أن أكون متحليًا بهذه الخصال.

حي السيدة زينب نشير إليه فقط بـ«السيدة» وليس «السيدة زينب» تكريمًا لمقام هذه السيدة الكريمة الطاهرة، وتأكيدا على تميز هذا الحي وشهرته بالمقارنة بغيره من الأحياء التي تبدأ بـ«السيدة» مثل «السيدة نفيسة والسيدة عائشة».

لا أعرف ما سر ربط حي السيدة زينب بالبلطجة و«الشبحنة» والجريمة؟.. هل ساهمت في ذلك بعض الأعمال الفنية وأخطاء البعض الذين استعانوا بالبلطجية في زمن من الأزمان؟.. بحكم أنني أعيش في هذا الحي أقول نعم في وقت من الأوقات كان هناك بعض الأسماء المرعبة والخناقات الكبيرة والعائلات والنفوذ في حي السيدة، ولكن ولأن دوام الحال من المحال فالأمور الآن صارت هادئة كثيرا عن الماضي، وهناك الكثير من المحترمين والمرموقين الذين يعيشون في هذا الحي العريق منذ زمن طويل. 

أتذكر قديما أحد العناصر الخطرة كان يدخل أجدعها فرح ويقلبه على مزاجه، ويتحكم في الدي جي، فيأتمر الغلبان المسؤول عن الدي جي بأمره ويشغل لهذا «الشبيح» ما يريد من أغانٍ، ويجلس صاحب الفرح لا حول ولا قوة له، في حين أنني وخمسة آخرين نشعر بحالة عجيبة تجمع بين الحزن والغضب والكوميديا!!

هذه هي سلبيات حي السيدة والأحياء الشعبية التي تركز عليها بعض الأعمال الفنية، وتغفل الإيجابيات الموجودة هناك، مثل احترام الكبير وثقافة «لما عم الحاج يعدِّي كله يوقَّف لعب يهدِّي»، وأيضا ثقافة التكافل الاجتماعي وعطف المقتدر والغني على الفقير المحتاج، وثقافة التدين الموجودة هناك بحكم أن السيدة منطقة دينية قبل أن تكون شعبية، كما أنها منطقة ترفيهية، حيث إن فيها الكثير من المطاعم والمحال الشهيرة التي يمكنك التسوق وقضاء وقت رائع فيها، كما أن الكثير من المشاهير نشأوا وترعرعوا في السيدة مثل شيخ الملحنين سيد مكاوي ولاعب الأهلي مختار التتش ولاعب الزمالك عبده نصحي، وغيرهم الكثيرون، وإيجابيات أخرى كثيرة في حي السيدة، بجانب أن السلبيات التي ذكرتها أصبحت شبه منعدمة بسبب تغير الأشخاص أو حتى زوالهم.

إن الجريمة والبلطجة ظاهرة سلبية موجودة في جميع أنحاء العالم، حتى في أرقى الدول وأكثرها تقدمًا، وليس فقط في الأحياء الشعبية، ولكن بعضنا ينظر إلى نصف الكوب الفارغ دون اجتهاد أو مواكبة للتغيرات والتطورات التي تحدث، والمسؤول الأبرز عن ذلك كما ذكرت هو بعض الأعمال الفنية التي اتخذت من هذه السلبيات «سبوبة دائمة» على حساب استمرار تشويه الآخرين.. فيا أيها الفنانون والإعلاميون ويا أيها الناس توقفوا عن هذه النمطية وكونوا حياديين وواقعيين بالله عليكم!

26 مارس 2023

يوميات رمضانية (3).. شكرًا من هنا لبكرة

كنت في إجازتي الأسبوعية بالأمس، دعاني أخي للإفطار في بيته، من منطلق أن رمضان شهر اللمة، ركبت خلفه على الموتوسيكل، وانطلقنا، وكم كان بعض الطريق غير ممهد، وشعرت بأننا نلعب لعبة «بيبسي مان» التي كنا نلعبها على البلايستيشن قديما، وتعتمد على تفادي الحفر والحواجز والأفخاخ!!

وفي هذه الساعة من اليوم تحديدا تتحول السيارات إلى أسراب وقطعان تسير بشكل متزاحم وسريع من أجل الوصول للمنازل في أسرع وقت وتناول الإفطار، والحكيم في هذه اللحظات هو من يكظم غيظه ولا يشتبك مع واحد من هؤلاء المتسرعين المتزاحمين حتى يمر اليوم بسلام.

وازدادت مهمتنا صعوبة عندما توقفنا عند بعض المحال والمطاعم لشراء بعض مستلزمات ومأكولات وجبة الإفطار، فتحميل شخصين، فضلا عن بعض المستلزمات على موتوسيكل واحد، هو شيء صعب نسبيًا، ولكن قيادة أخي للموتوسيكل بشكل جيد ومرن لعبت دورا في إنجاز المشوار والوصول إلى البيت.

في البيت جلسنا في انتظار أذان المغرب، وقد تراصت حولنا أكواب التمر والسوبيا في انتظار اللحظة المنتظرة.. لحظة الإفطار، وكم كانت لحظات رائعة سادتها الأجواء العائلية الممزوجة بطعم رمضان واللعب مع أطفال أخي، وفعلا كما قال حسين الجسمي «رمضان في مصر حاجة تانية والسر في التفاصيل»، والحقيقة أنني لم أجرب رمضان خارج مصر لأنني لم يكن لي حظ من السفر إلى أي بلد.

في نهاية اليوم ذهبت مع أخي في زيارة خاطفة وسريعة لابنة عمتنا، ثم أصر أخي على توصيلي إلى مقر عملي حيث كان عندي شيفت سهرة، وركبنا الموتوسيكل ونزلت عند باب الشغل، وتأكدت أن فعلا «في حياتنا ناس هما الأساس»، ووجدتني أقول عبارة عمرو دياب في إعلانه الرمضاني الجديد «شكرا من هنا لبكرة»!!

24 مارس 2023

يوميات رمضانية (2).. فين قهقهة الضحكات؟

بعد أن تناولت السحور بالأمس، وقرأت وِردًا من القرآن الكريم، عدت إلى عالم الدنيا وجلست أمام شاشة الكمبيوتر بحثا عن مسلسل كوميدي يقتل مرارة وعبء ضغوط الحياة اليومية، ولأستعيد زمن الضحكة الحلوة بتاع زمان.

شاهدت حلقتين من مسلسلين، لن أذكر اسمهما حتى لا يكون الأمر وكأنه موجه مع أو ضد هذين المسلسلين، ولم تصدر مني قهقهة واحدة، أو قهقهة الضحكات كما قال الفنان أحمد سعد!!.. الحقيقة كنت طمعانا في أي قهقهة ولكن اكتفيت بابتسامة أمام كل محاولات الإضحاك و«الزعيق» والإفيهات شبه المكررة والتي نستعملها في حياتنا اليومية دون مسلسل أو يحزنون.

بالكاد ارتسمت على شفتي ابتسامة، فحمدت الله أنني حصلت على نصيبي من السعادة، وتساءلت «ما الذي حدث؟.. لماذا لم أقهقه؟.. هل أصبح دمي ثقيلاً ولا يعجبني شيء؟.. أم أن المشكلة في العمل الفني المقدم؟»، ولكنني وجدت شبه إجماع على حالة الفقر الكوميدي التي نعاني منها حاليا!!.. ومع ذلك ما زلت غير متأكد ولا أعرف هل هو فعلا «فقر كوميدي» أم العيب فينا نحن المستمعين والمشاهدين؟، وأننا متسرعون أو طماعون أو ربما ظالمون في حكمنا على هؤلاء الممثلين!!

قديما كان هناك برنامجان للمقالب، واحد اسمه «الكاميرا الخفية» للفنان الراحل إبراهيم نصر وكان يذاع بعد الإفطار في رمضان، والثاني اسمه «إديني عقلك» كان يذاع أثناء السحور، وأتذكر أن والدي-رحمه الله- كان يقهقه ضحكا حتى يسعل وهو يشاهد هذين البرنامجين، وأيضا والدتي -رحمها الله-كانت تقهقه ضحكا حتى تضيق عيناها وتدمعان أحيانا، ولأن الضحك معدٍ فكنت أضحك أنا الآخر، ليس فقط على ضحك والدي ووالدتي ولكن لأن تلك الأعمال الفنية كانت بسيطة ومفهومة ومباشرة.

إن الضحك من الأشياء العظيمة التي خلقها الله في حياتنا «وأنه هو أضحك وأبكى»، الضحك الذي يستهدف إسعاد الناس دون تنمر أو سخرية أو استهزاء من أحد أو أي خروج عن الآداب.

البعض يرى أن نشر الضحك والكوميديا أصعب بكثير من نشر البكاء والتراجيدي، فيا عزيزي الكوميديان أنت أمام مهمة احترافية صعبة، إما تكون «قدها وقدود» وإما أن تنسحب مشكورا.. وأيضا يا عزيزي المشاهد احصل مؤقتا على نصيبك من السعادة وأنت راضٍ حتى ولو كانت مجرد ابتسامة وليست «قهقهة الضحكات»!!

23 مارس 2023

يوميات رمضانية (1).. ثنائية الفطار والشغل

يرتبط شهر رمضان بالعديد من المميزات والسمات التي تميزه دون سواه من شهور السنة، فبجانب أنه شهر القرآن والعبادات والحسنات والخير والرحمة، هو أيضًا شهر القوة والتحمل، وكما نعلم أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، كما قال رسولنا الكريم، ومن هذا المنطلق كتب القدر على الكثيرين أن يتناولوا إفطارهم في العمل سواء أول يوم رمضان فقط أو بعض أيام رمضان أو طوال أيام الشهر الكريم.

والحقيقة أن تناول الإفطار في العمل ليس تكديرا ولا «استقصاد» ولا حاجة من هذا القبيل.. بل يمكن أن نعتبره تغييرا وتجديدا في نمط الحياة التقليدي الروتيني المعتمد على تناول الطعام في البيت، وإحياء لميزة أخرى من مميزات رمضان والتي تميز روح رمضان عن روح أي شهر آخر وهي روح «اللمَّة» وتقوية الروابط الاجتماعية مع الزملاء، وأيضا استحضار لروح «المحارب على الجبهة»، فأنت في جبهة العمل الذي تمارسه من أجل خدمة الآخرين وسعادتهم تضحي بوقتك وسعادتك بين أسرتك لتقضيه في ضغوط العمل متناولا إفطارك بمنتهى الصبر والرضا.

ويا سلام لو اجتمعت حولك مجموعة من الحيوانات الضالة البريئة المسكينة وأنت تتناول إفطارك في عملك فتعطف عليها وتعطيها «العظم» أو بواقي الطعام فتفوز برضا الله، وتحصل على حسنات تصلك إلى موقعك دون تعب منك أو مجهود في وقت نحن أحوج فيه إلى رضا الله.

باختصار، نحن نستطيع أن نرى الجمال والبساطة في أصعب الأشياء والمواقف، وأن نستخرج المميزات والإيجابيات من باطن المعاناة، وأن نواجه صعوبات الحياة وتحدياتها بابتسامة رضا ونفس متصالحة سالكة مع الحياة.. وكل رمضان وأنتم سالكون وراضون وصامدون.

4 يناير 2023

الدولار والإنذار

لا صوت يعلو الآن فوق صوت الدولار.. تلك الورقة الخضراء التي تواصل صعودها دون ضابط أو رابط.. ومع هذا الصعود المخيف تزداد المعاناة بين الناس، حيث إن معظم عملات واقتصاديات العالم- إن لم تكن جميعها- مرتبطة بالدولار الذي يدخل في عمليات الاستيراد والتصدير حول العالم، وهنا نطرح سؤالًا مخيفًا؟.. هل بذلك سيصبح الدولار هو العملة الوحيدة للعالم ويلغي ما دونه من عملات؟!!

إن زيادة سعر الدولار تهدد بدورها بارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات- التي هي مرتفعة أصلا- وهذا بدوره يشكِّل ضغطًا خانقًا على المواطنين - الذين هم مضغطون ومخنوقون أصلا- وهذا ينذر بكارثة لا يعلم مداها ولا نتائجها إلا الله!!

إذن ما الحل؟.. هل المطلوب من كل مواطن أن يبحث عن وظيفة تدر عليه دخلًا بالدولار حتى يستطيع مواكبة هذا الكابوس؟.. هل المطلوب مثلا أن نحسب كم تساوي دخولنا بالجنيه مقابل الدولار؟ وبالتالي نكتشف هل نحن بذلك من الأحياء أم من «الأموات الأحياء»؟

إن المسؤولين عن زيادة سعر الدولار كثيرون، سواء البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بزيادته المستمرة لسعر الفائدة في محاولة منه لوقف تضخم العملة وركود الاقتصاد الأمريكي، أو المتحاربون في روسيا وأوكرانيا وما له من تأثير بالغ على السوق العالمية وخصوصا قطاعي الطاقة والغذاء، حيث يتحكم البلدان المتحاربان في نسبة كبيرة من هذين القطاعين، سواء النفط أو القمح، وكذلك الحكومات المحلية التي تقف موقف المتفرج بل وأحيانًا المشارك في الأزمة بقراراتها التي يغيب عنها المنطق والتوفيق أحيانًا.

إن الانحياز إلى المواطنين بات هو الحل الأمثل الآن في هذه الأزمة الخانقة، ويجب أن تعمل الحكومات فورًا على هذا، بزيادة حقيقية في الرواتب وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير فرص عمل تدر دخولا لائقة على المواطنين ومراقبة الأسواق وخاصة السوداء منها التي لا تعرف إلا لغة الجشع والتربح دون رحمة أو هوادة، ويجب أيضا زيادة الصادرات لتوفير سيولة نقدية من العملة الصعبة وأن يكون لنا ولمنتجاتنا تواجد حقيقي في الأسواق العالمية.. الحلول كثيرة وبات البحث عنها وتحقيقها ضروريًا.. هذا إن أردنا تجنب هذا الإنذار الذي يوجهه لنا الدولار.. وإلا سنصل إلى أسوأ كابوس يطاردنا.. الانهيار!!

28 ديسمبر 2022

لن نموت مقهورين!

في ظل الظروف الاقتصادية العالمية التي تعاني منها جميع شعوب الأرض، أصبح الوضع صعبًا وخطيرًا، فالغلاء وجد طريقه إلى كل شيء وأي شيء، سواء أكثر الأشياء أهمية أو حتى أكثرها تفاهة.. أو كما يقولون «من الإبرة إلى الصاروخ»، أصبح الجميع في حالة سباق من أجل الحياة.. وكلما جاءت زيادة في الرواتب والأجور لحقت بها زيادة أخرى في الأسعار!

ولكن الأصعب والأخطر هو أن يتجه البعض لزيادة صعوبة الصعب، ووضع الحواجز والعراقيل أمام ما يحتاج إلى تيسير وتذليل وتسهيل، فواجب على الحكومات أن تتدخل لحماية المواطنين من هذا الغلاء، فإذا لم تستطع التدخل - بحجة أن الغلاء أزمة دولية والعالم أصبح «قرية صغيرة» منفتحة على بعضها- فيجب ألا تكون الحكومات هي الأخرى عبئًا على المواطن بقراراتها ورؤاها التي أحيانًا تحمل «علامات استفهام»- وهذا هو أقل تعبير وأكثر العبارات أدبًا- لن نقول إنها قرارات غير إنسانية أو تفتقد إلى المنطق أو ربما تقتل المواطنين قهرًا وغيظًا وكمدًا!!

إن مساس الحكومات بالاحتياجات الأولية للإنسان، مثل المأكل والملبس والمسكن وحق الزواج وتكوين أسرة، خطر كبير ولعب بالنار يهدد الأوطان والشعوب ويضعها على حافة الهاوية، إن مثل هذا العبث هو بمثابة «شهادة وفاة» تكتبها الحكومات لنفسها وربما لأوطانها وشعوبها أجمع.

إن الحكمة والإنسانية والإحساس بهموم الناس هو طوق النجاة في هذه الأزمة العالمية، ولا يجب أبدًا أن تعتقد الحكومات اعتقادًا خاطئًا أن كل الناس أغنياء وقادرون على عبور هذه الأزمة، فالحياة اليومية أصبحت صعبة على الجميع.. يوميًا يسأل المواطن نفسه «ماذا سآكل اليوم أنا وأسرتي؟»، فتكون الإجابة ببساطة «دفع الكثير من الأموال لتحقيق هذا الغرض الحياتي الأولي البسيط»!!

إن محاولات الضغط على المواطنين واستفزازهم في إطار هذه الأزمة العالمية الخانقة التي زادت حدتها مع الحرب الروسية الأوكرانية، هذه المحاولات لن تنجح لأن عواقبها خطيرة جدًا وبمثابة «قنابل موقوتة».. إن شعوب العالم ستبقى صامدة أمام هذا التحدي والاستفزاز الكبير.. لن نموت مقهورين!!

7 سبتمبر 2022

مصادر السلام النفسي

منذ أن كنت طالبًا أدرس الإعلام وإلى أن أصبحت صحفيًا أعمل في هذا المجال وأنا أسمع كلمة «مصادر»، فأصبحت الكلمة صديقة أذني ورفيقة دربي وخاطري.. منذ أن وقف الأستاذ في مادة «فن صياغة الخبر الصحفي» وهو يسألنا قائلًا: «حد عارف بنجيب الخبر منين؟»، وحتى في مادة التشريعات الإعلامية التي كان يدرسها لنا المرحوم الدكتور كمال القاضي الذي كان يعمل لواء شرطة سابقًا، وهو يسألنا: «حد يعرف بنجيب القانون منين؟».. والآن أنا وكثيرون نسأل: «حد يعرف بنجيب السلام النفسي وراحة البال والتصالح مع الذات منين؟».. كيف نواجه الحياة بقسوتها وتقلباتها؟.. كيف تتعامل مع الرفض والكره من البعض؟.. سنحاول معا البحث عن إجابات هذا الأسئلة و«مصادر السلام النفسي» التي أصبحت «مادة مقررة» هذه الأيام!!

مبدئيًا، من أهم شروط ومتطلبات السلام النفسي، هو الإيمان واليقين التام بزوال هذه الدنيا.. كلنا سنغادر هذه الدنيا يومًا ما، هذه الدنيا التي نرتدي فيها جميعا قفازات ملاكمة ونخوض صراعات زائلة مع بعضنا البعض فيها هي مجرد محطة.. امتحان.. لا تستحق كل هذا العناء والغِل والقسوة.. هذا ما أقصده.. وبالطبع لا أقصد إطلاقًا أن نكون سلبيين أو منبطحين أو ضعفاء، ولكن دعونا نكون لطفاء ونرفع إنسانيتنا فوق مصالحنا، فالسيرة باقية والمصلحة زائلة.. أي والله زائلة!!

السلام النفسي يأتي من القناعة، والاقتناع بأنك قادر على العطاء والتميز في أي موقع، كبيرًا كان أو صغيرًا، بأنك تمتلك ما ليس عند غيرك، أو على الأقل تسعى لذلك.

أن تكون تاجرًا للسعادة أو مانحًا لها بلا مقابل، فلا تفارق ابتسامتك شفتيك، ولا يغيب التسامح والعفو عن قلبك، فإن لم تستطع فاعتزل ما ومَن يؤذيك دون أن تؤذيه أنت فتنساق نحو دائرة جهنمية أولها غِل، وأوسطها مكائد ومؤامرات، وآخرها هلاك والعياذ بالله.

قربك الدائم من الله هو المصدر الأساسي لهذا السلام النفسي، ففاقد الشيء لا يعطيه كيف ستتمتع بالسلام النفسي وأنت بعيد عن «السلام» سبحانه وتعالى؟!!

يجب أن تعلم تمامًا أنه لا يوجد أحد عليه إجماع، بالتأكيد ستجد من يحبك ومن يكرهك أو لا يتقبَّلك، فتقبَّل أنت هذا، وإياك أن تسعى للكيد والانتقام.. إما أن تغير فكرة الكارهين عنك أو أن تتجاهلهم تمامًا.

تعامل مع الرفض أو عدم تحقيق هدف ما أو مصلحة ما على أنه «رُب خير لم تنله كان شرًا لو أتاك»، لا أحد يعلم أين الخير وأين مصلحة العبد إلا الله سبحانه وتعالى، وبالتأكيد الله يختار لك الأفضل والأنسب دائما حتى لا تشقى فيما بعد.. طالما أنت قريب من الله فهو لن يخذلك ولن يترك سلامك النفسي والحياتي يتعرض لأي خطر حتى لو سعيت أنت نحو هذا الخطر دون أن تدري.. ستجد الله دائما ينقذك وينجيك.

27 مايو 2022

كافي غيري شري

من منا يبقى كما ولدته أمه نظيفا خاليا من العيوب والخطايا؟.. كبرت أم صغرت عيوبه.. لا أحد بدون عيب.. ولا يوجد أحد لا يرتكب أخطاء، فنحن لسنا بملائكة ولا أنبياء؟.. ولكن هل هذه القاعدة هي مبرر للخطأ؟.. أي خطأ؟.. حتى وإن كان جريمة بشعة؟.. الأمر إذن يستحق نقطة نظام وتوضيح وتصحيح المفاهيم.

إن الكمال والنزاهة والشرف هي أهداف يطمح كل إنسان سوي إلى تحقيقها، تماما مثل قيم الحق والخير والجمال التي يبحث عنها الفلاسفة، ولكن رحلة الحياة حافلة بالابتلاءات والمغريات التي معها يسقط الإنسان مرة أخرى في وحل الخطايا والعيوب إلا مَن رحم ربي.. فأين الحل إذن؟.. وكيف «تتعايش» مع عيوبك و«تروِّضها» إذا لم تستطع التخلص منها نهائيا؟

جرب أن تعيش «كافي غيرك شرك» كما يقولون، نعم هي «كافي غيري شري» وليس «كافي خيري شري»!!.. بمعنى أن تحاصر عيوبك ولا تجعلها تمتد للآخرين فلا يتأثرون بها ولا يتضررون منها، فإذا كنت مدخنا شرها فلا تدخن في مكان يتأذى أهله من التدخين، وإذا كنت عصبيا فحاول ألا تخرج غضبك في وجه أحدهم ومارس نوعا من الرياضة مثلا التي تستطيع من خلالها إخراج ما بداخلك من طاقة، إذا كنت بخيلا فلا تأمر الناس بالبخل، راقب أحوال الدنيا التي كل يوم يموت فيها الآلاف من الناس، وتأكد بأن المال وغيره من مغريات الدنيا لا ينفع ولا يبقى فستكتشف تدريجيا أن البخل والتمسك بالمال هو سذاجة كبيرة، وقِس كل هذه الأمثلة على غيرها من «العيوب»، أما «الجرائم» فلا مكان لها فيما ذكرته من أمثلة لأنها تقع تحت طائلة القانون والعقاب وليس مجرد العلاج الذاتي والنفسي.

إن محاصرة عيوبنا وجعل ضررها مقتصرا على أنفسنا هو الطريق الأول للتخلص منها، لأنك إذا اكتويت بنارها وبآثارها الضارة بالتأكيد ستتوقف عنها، لأنك ستسأل نفسك سؤالا «إذا كنت أنا لا أتحمل نفسي وعيوبي، فكيف إذن سيتحملني الناس؟.. هل سأعيش إذن في جزيرة منعزلة وحيدا وبعيدا عن الناس؟»، فلتبدأ إذن رحلة العلاج لعيوبك وكن على يقين بأنك ستصل وستنجح في النهاية.

19 مايو 2022

كوكب «المستريحين»

منذ حوالي 13 عاما وتحديدا في عام 2009، كنت طالبا في الجامعة، وأعمل في فترة الإجازة بمحل بقالة لبيع المشروبات الغازية والسجائر والشيبسي وما إلى ذلك، وكان صاحب المحل رجلًا مسنًا، ومن بين ما قاله لي كلمات غريبة وهي: «بص.. هقولك على حاجة.. خلي بالك.. كل الناس حرامية.. تعامل بهذا المبدأ»!!

كانت كلمات الرجل عفوية وسوقية، ولكن إذا درست كلماته جيدا وأمعنت التفكير في معناها وخلَّصتها من شوائبها، فستجد أنه ربما يقصد «لا تثق في أحد تمام الثقة واجعل عينيك في وسط رأسك»، وخصوصا أنه يقف في السوق ويتعامل مع قطاع كبير من الناس على مختلف مستوياتهم وعقلياتهم.. الموظف والمتسول.. السمكري والمحامي.. العسكري والحرامي!!

تمر الأيام والسنوات ويتطور العصر، إلا أن عقليات بعض البشر ما زالت لا تتخذ الحيطة والحذر تجاه النصابين و«بتوع التلات ورقات»، فنجد ما بين حين والآخر يظهر نصاب أو نصابة أو «مستريح» أو «مستريحة»، والسبب وراء تسمية النصاب بـ«المستريح» هو أن منذ عدة أعوام سقط نصاب كان يلقب بـ«المستريح» فصار هذا هو لقب كل نصاب يمتص دماء الساذجين من ضحاياه، تماما كما أصبح لقب «الخُط» يلازم أي عنصر إجرامي شديد الخطورة في الصعيد، لأن أول مجرم يحمل هذا اللقب سقط في الصعيد في عهد الملك فاروق.

إن «مستريح أسوان» الذي سقط منذ أيام هو وأكثر من 30 نصابا آخرين، كان ضحاياه من سذاجتهم يلقبونه بـ«مصطفى البنك»!!.. تخيلوا.. مجرم نصاب مصاص دماء، أصبح يتم التعامل معه على أنه بنك ومؤسسة مصرفية لحفظ الأموال!!.. هل هناك جهل أكثر من ذلك؟!!

إن استمرار الجهل والسذاجة بين الناس بيئة خصبة يستغلها المجرمون و«المستريحون» لنهب أموال الناس بدلا من استثمار هذه الأموال في المؤسسات المالية الشرعية التي للأسف يبدو أن صوتها منخفض بالمقارنة مع هؤلاء النصابين الذين يساهمون بشكل أو بآخر في تخريب اقتصاد البلد ويجب ردعهم بكل قوة وبأحكام قضائية قاسية ومعلنة حتى يكونوا عبرة لكل حرامي، وحتى لا نجد أنفسنا قد أصبحنا في «كوكب المستريحين»!!

2 مايو 2022

العيد لما كنا صغيرين

بعد انتهائي من صلاة العيد اليوم، جلست مع عدد من الأصدقاء والجيران، أجدع جيران وصحاب زمان، جلسنا في مدخل إحدى العمارات ننظر إلى الشارع وهو خالٍ من الجسد والروح، نعم، فالحياة أصبحت «هس هس» ولا يوجد «صرِّيخ ابن يومين».

وضع «إبراهيم»، أو «هيما» كما نناديه، سبابته على ذقنه وهو يحدق في الشارع ويتذكر أيام زمان، «فاكر لما أبويا وعمي والناس الكبيرة تلاقيهم عاملين قعدات، والكحك والشاي قدامهم وبيهنوا بعض بالعيد»، «فاكر أيام السبعاوية وثبت صنم والمسدسات الصوت والاستغماية ولما كنا بنلعب ماتشات كورة طول اليوم».

أجبته وأنا جالس على أريكة متهالكة داخل الحوش «ودي أيام تتنسي يا أبو خليل، فاكر لما كل واحد كان يلبس لبس العيد بتاعه وننزل بـخمسة جنيه نتمشى في وسط البلد وناكل كشري ونشرب عصير قصب.. أيااااام، وقول للزمان ارجع يا زمان».

كانت البساطة عنوان هذا الزمن الجميل، البساطة والنشاط والحيوية والخير، كانت الحياة غير متكلفة، أقل حاجة ممكن تخليك أسعد واحد في الدنيا، العيدية كانت خمسة جنيه بالكتير، بالإضافة لعيدية بسيطة من المسجد ومعها «بسكوت سامبا»، كان هناك عطاء واسع، واحترام للكبير ورهبة، مشاركة بين الكبير والصغير في مظاهر الاحتفال بالعيد، كنا نجلس حول أحد «كبار الحتة» ليحكي لنا عن مغامراته وخبراته في الحياة.

كان الود حاضرا بقوة في عيد زمان فتجد زيارات الأقارب المتبادلة قبل أن تشترك كل من مواقع التواصل والتكنولوجيا ومشاغل الحياة في سرقتنا واختطافنا من بعضنا البعض.

في خروجات الأعياد، لم نكن نسمع عن شيء يسمى «تحرش»، كان «أصيع متحرش» مجرد كلمنجي فقط، ولا يصل الأمر أبدا إلى الاعتداء والجرائم البشعة التي كثيرا ما تحدث هذه الأيام.

كانت خروجاتي مع الأصدقاء تقتصر على ميدان التحرير «قبل الثورة» والمنيل ومول طلعت حرب في وسط البلد وحديقة دار العلوم في السيدة زينب، ولما بدأوا دخول السينما لم أكن من مفضلي هذا النوع من الخروجات بسبب اعتقادي بأن الفيلم «كده كده هييجي على التليفزيون» يوما ما، بجانب عدم استعدادي نفسيا أو مزاجيا لدخول السينما في ذلك الوقت فلم أجد من يشجعني، وكذلك كنت طالبا وكانت العيدية بسيطة ولا تكفي سوى لخروجة بسيطة «على قد الإيد»، ولم تعرف قدمي طريق السينما إلا في مطلع عام 2019 مع شقيقتي ودخلنا معا فيلم «122»!!

إن في حياة كل منا كتاب جميل حافل بالصفحات الذهبية عن ذكريات العيد في الزمن الجميل.. زمن الخير والبركة والبساطة، فكل عيد وأنتم وبخير.

1 مايو 2022

«وقفة» مع النفس


مع غروب شمس رمضان وبزوغ شمس شوال إيذانا بميلاد عيد الفطر المبارك نتمنى جميعا من الله أن يتقبل صيامنا وصالح أعمالنا واجتهادنا طوال 30 يوما، ونتمنى أيضا أن يدوم ويستقيم هذا الاجتهاد والإخلاص على مدار 365 يوما وليس شهرا فقط!!

ومع حلول وقفة عيد الفطر المبارك، للأسف، تتحرر شياطين الإنس والجن من محابسها، لتعيث في الأرض الفساد، فتجد انتشار الخمور والمخدرات، ففي العام الماضي تم ضبط عاطل وبحوزته 150 طربة حشيش استعدادا لترويجها على المدمنين خلال «الوقفة» في محافظة واحدة فقط، فما بالك بباقي المحافظات!!

إن رمضان وشوال وما بينهما من وقفة وغيرهما من الشهور وكل يوم وكل لحظة هي فرصة لإجراء كشف حساب مع نفسك ولكي توضع تحت جهاز الأشعة لتعلم ما بك من كسور وقصور يحتاج إلى ترميم وإصلاح.

إذا كنت تقضي «الوقفة» مع أسرتك أو أصدقائك فاحرص على أن يكون وقتا طيبا سعيدا خاليا من أي مهلكات أو محرمات، وإذا كانت «وقفة مع النفس» وحيدا، «زي حالاتي»، فالوحدة بقدر صعوبتها وآلامها ومخاطرها ومخالفتها للطبيعة البشرية المحبة للونس والاجتماع، إلا أنها بمثابة فترة تدريب وفصل من فصول التقوية في الحياة، ثم أن الوحدة هي حال من أحوال الدنيا ومصير الإنسان مهما طال العمر هو الوحدة كما قال تعالى «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا»، فيجب أن تتعايش مع وحدتك وتروَّضها، ولا شك أنها سحابة وتجربة مؤقتة ستزول عما قريب.

إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والحياة هي أكبر امتحان وحلبة سباق ونزال مع الابتلاءات والفتن، وأكبر «وقفة مع النفس»، فنسأل الله الثبات والقوة وحسن الختام، وكل عام وأنتم بخير.

24 أبريل 2022

لو كان القهر رجلا.. لقتلته

القهر في رأيي أحد القتلة الصامتين.. أكيد سمعنا جميعا عن أشخاص ماتوا كمدا أو حزنا بسبب تعرضهم لصدمة شديدة أو قهر مميت، ولعل واقعة الطيار أبو اليسر وأزمته مع الفنان محمد رمضان هي خير مثال على ذلك.

القهر أيضا «مُعدي»، فهو شعور وأثر إنساني ينتقل عن طريق العدوى مثل أي شعور كالضحك والغضب وغير ذلك، فلقد اعتصرنا الحزن جميعا على وفاة الثلاثة أشقاء الذين يدرسون الطب والصيدلة في حادث سير منذ أيام، ولقد شعرنا أن هؤلاء أشقاؤنا أو أبناؤنا، ولو وضع أحدنا أنفسه للحظة مكان الأم المكلومة التي فقدت فلذات أكبادها دفعة واحدة، لشعر بكم القهر والألم الذي عانته هذه الأم.

إن القهر درجات وأنواع، هناك قهر في المنزل وقهر في العمل وقهر في المجتمع، قهر معلن وواضح، وقهر صامت وخفي، قهر كبير وقهر صغير، قهر يشبه الرصاصة القاتلة السريعة، وقهر يشبه السم الذي يقتل ضحيته ببطء، وقهر كالمرض المزمن الذي «يتعايش» معه صاحبه، قهر متنكر في وجه طيب كالعمل والعشم والعِشرة والبيت اللي مش عايزينه يتخرب والشغلانة اللي مش عايزينها تضيع، قهر مسكوت عنه و«مطرمخ» عليه، وقهر «بنعافر» لكي نرفعه ونزيله، وفي النهاية يبقى القهر قهرا.

إن القاهر يتمادى في قهره للمقهور لأن الأخير «سكت» و«تعايش» مع هذا القهر، ولكن القاهر يجب أن يحذر من لحظة «الانفجار» الذي سيأتي يوما ما، إن الحل هو التعامل مع الناس جميعا بالعدل والمساواة والرحمة، لأن القهر قاتل للأفراد والمجتمعات، وإذا كان الإمام علي بن أبي طالب قال «لو كان الفقر رجلا لقتلته»، فاسمحوا لي أن أقول «لو كان القهر رجلا لقتلته».

22 أبريل 2022

دي فرحة سلامك ولا وداع صيامك

كعادته.. رمضان مستعجل.. مر يوم في أسبوع في ثلاثة أسابيع ولم يبقَ من الشهر الكريم سوى بضعة أيام.. رمضان شهر الخير والبركة واللمة الحلوة خلاص بيلم حاجته وماشي!!

رمضان دائما يأتي بكل خير وبهجة على كل المستويات.. على المستوى الديني هو أفضل شهر وأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النيران، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر (أكثر من ٨٠ سنة).

وعلى المستوى الدنيوي يكون الشهر الكريم فرصة لاجتماع الأقارب والزملاء والأصدقاء على مائدة إفطار واحدة وسط جو ترفيهي تظلله المحبة والسعادة، وأيضا يكون الشهر الكريم موسما مهما لأعمال الخير ومساعدة المحتاجين وإفطار الصائمين.

والله لسه بدري والله يا شهر الصيام.. هذه الكلمات التي كلما أسمعها تنتابني القشعريرة وتدمع عيناي، وهي كلمات أغنية تتغنى بها المطربة القديرة شريفة فاضل، مودعة شهر الخير وهي تقول "يا ضيف وقته غالي وخطوة عزيزة.. حبك حب عالي في الروح والغريزة.. دي فرحة سلامك ولا وداع صيامك"، وهي الجملة التي كنت أسمعها في صغري "ولا وضاع صيامك"!! على طريقة "سعد نبيهة" التي تبين فيما بعد أنها "سعدنا بيها"!!

ونحن نودع رمضان نحرص دائما ونطمح ونتمنى أن تكون أنفسنا شبعت منه ومن بركاته وأجوائه البهيجة الربانية، وأن نكون من الفائزين في رمضان.. آمين.

19 أبريل 2022

عن أعظم نعمة ربانية

 

لو سألت نفسك وفكرت.. ما هي أفضل نعمة منحها الله للعباد؟.. ستكون الإجابة صعبة بالتأكيد.. فكل النعم عظيمة وضرورية.. سواء كانت جسدية أو معنوية.. ولكن في رأيي أعظم نعمة معنوية منحها الله لجميع بني آدم على اختلاف ألوانهم وأعراقهم ودياناتهم.. هي نعمة «الستر».

تخيل لو رفع الله الستر عن عبد من عباده.. بالتأكيد سينفضح كما حدث مع «لص الموبايل» الشهير الذي سرق هاتف صحفي أثناء بث مباشر، ونسي أن الكاميرا صوَّرت وجهه وكشفته أمام الآلاف من الناس وبذلك نفد رصيده من «الستر»!!

كل ابن آدم خطأ، كلنا نرتكب أخطاء ويستر الله علينا بستره الجميل الرحيم.. ومع كل ستر إنذار بالاعتدال والتوقف عن الأخطاء والمعاصي، ورغم ذلك يستمر «عشمنا» في الخالق وطمعنا في نعمته العظيمة، وهي «الستر».

إن الذين يفبركون الصور والذين ينشرون الفضائح يعتدون على نعمة كبيرة منحها الله للإنسان، هؤلاء ليسوا بشرا، وأقل توصيف لهم وأكثره أدبا أنهم حفنة من الجهلاء، «أولئك كالأنعام بل هم أضل»، وقطعا أنهم سيذوقون من نفس الكأس، وكذلك «المجاهرون» الذين يجهرون بالمعاصي ويعلنونها ويفخرون بها- للأسف!!، ويتمردون على نعمة الستر التي منحها الله إياهم بدون مقابل.

إن الإنسان يجب أن يكون في تعامله مع الله، كالطائر الذي يطير بجناحين، جناح «الرجاء» وجناح «الخوف»، رجاء رحمته وستره وكرمه وجنته، وفي نفس الوقت الخوف من عذاب الله وغضبه ومكره، والله يقول في الحديث القدسي «أنا عند ظن عبدي بي»، فلا تتعشم كل العشم فتنزلق في المعاصي، ولا تتشاءم كل التشاؤم فتصبح حياتك مظلمة وكئيبة وسلبية.. خير الأمور الوسط، فنسأل الله الهداية والتوفيق دائما.