9 يوليو 2021

الارتقاء بالإنسان أهم من تطوير «الطوب»

 بالأمس، التقيت أحد سكان المدن الجديدة التي تبنيها الدولة وتنقل إليها سكان العشوائيات، و«فضفض» معي الرجل عن عدد من جرائم القتل والتحرش التي شهدتها المنطقة الجديدة التي يسكن فيها، فبعد أن ظن الرجل أنه نجا إلى الأبد من «جحيم العشوائيات» إذا بهذا الجحيم يلاحقه في مسكنه الجديد.. لماذا؟.. وأين المهرب من هذا الجحيم؟

إن الدولة عندما فكرت في «تطوير العشوائيات» كان مفهومها عنه ليس عميقا بالدرجة الكافية.. فلم تضع في حسبانها أيضا الارتقاء بالإنسان وتغيير الأفكار العدوانية عند سكان هذه «العشوائيات».. بالطبع نحن نعلم ونعي تماما أن الجريمة في كل مكان وزمان ولن تنتهي حتى تقوم الساعة.. ولكن مفهوم القضاء على العشوائيات يجب أن يكون أكثر شمولا، لكي نبني على أساس سليم، وحتى لا تتحول هذه المدن الجديدة تدريجيا إلى عشوائيات أخرى.

من القصص المفزعة التي حكاها ذلك الرجل عن منطقته الجديدة أن طفلين في سن العاشرة من عمرهما تشاجرا، فأمسك أحدهما بزجاجة وكسرها ثم غرسها في صدر الطفل الآخر فسقط قتيلا.. ما ذنب هذا الطفل القتيل؟.. بل ما ذنب الطفلين؟.. الطفل المتهم أيضا ضحية التربية الخاطئة والظروف المجتمعية الصعبة التي نشأ فيها.. أحد الطفلين خسر حياته في لحظة.. والآخر قد يخسر حريته إذا سُجن في «الإصلاحية» وقد يخسر أيضا حالته النفسية التي ستهتز بشكل كبير بعد هذه الجريمة البشعة وبعد سجنه.

حدَّثني الرجل أيضا عن تعرض ابنته الصغرى لمضايقة من أحد الصبية في هذه المساكن الجديدة، فبينما كانت تمشي في الشارع نادى عليها ذلك الصبي فلم تجبه، فإذا به يمسك يدها فجأة فانتفضت الفتاة وهرولت لتشكو لأبيها الذي انتوى تحرير محضر لهذا الصبي ولكنه لم يفعل بسبب أن والدي الصبي توسلا للرجل حتى يتنازل ويصفح عن ابنهما وأنه «عيل وغلط» فوافق الأب بشرط أن تصفع ابنته الصبي على وجهه، فلما صفعته تنازل الرجل استجابة لتوسلات الأبوين.

هل هذه الجرائم وغيرها وهذا الرعب اليومي يمكن أن نسميه قضاء على العشوائيات؟.. إن التطوير ليس في تلوين الحجارة ورصف الطرق وتأثيث البيوت بأرقى الأثاث.. ما فائدة ريش النعام إذا كان ينام عليه الأفاعي والذئاب؟.. إن التطوير ليس تغيير الحجارة بل تغيير النفوس والقلوب التي صارت كالحجارة أو أشد قسوة، وهنا يجب تفعيل مهام المدارس ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني ومراكز التأهيل، والأسرة نفسها يجب أن تُحسن تربية الأبناء، حتى نقضي تماما على العشوائيات التي بداخل بعضنا.

ليست هناك تعليقات: