ولقد أبدع القائمون على العمل في رسم شخصية «مشرط» شكلا ومضمونا، وإضفاء أسلوب ساخر لشخصيته الساذجة الشريرة غير المكترثة ببيع تاريخ مصر للخارج، وإنما كل همه «الفلوس» التي جعلته يُربي لحمًا من الحرام في جسده الممتلئ.
«مشرط» كان فكرة، والفكرة لا تموت، بل إن هذه الشخصية الخيالية كانت انعكاسا واضحا للمجرمين الآن في أرض الواقع، الذين يظنون أن الآثار آثارهم والفلوس فلوسهم والدفاتر دفاترهم، وأسسوا في سبيل ذلك شبكات من المافيا التي صارت أشبه بوحش له رأس أو عدة رؤوس وذيول.
هذه الشبكة أو الشجرة هي المكون الأساسي لعالم الجريمة المنظمة العالمية السري، حيث يكون على رأس الشبكة الإجرامية «زعيم» وغالبا يكون شخصية معروفة في المجتمع ومؤثرة ولكنها تختبئ خلف عدة ستارات، مثل الأعمال الخيرية أو الحصانة البرلمانية أو «العلاقات العامة التقيلة» وغير ذلك، ويعاونه مجموعة من «صغار الحرامية» الذين يأتمرون بأمره ويقتاتون من فتات جرائمهم جميعا التي يذهب نصيب الأسد من مكاسبها الحرام إلى «رئيس العصابة».
كل حرامي وكل فرع من الشجرة في العصابة له دور، ففي عالم تهريب الآثار مثلا بالتأكيد هناك فرع لتحديد ورصد مكان الخبيئة الأثرية، ثم يأتي دور فرع الحفر لاستخراج الآثار أو سرقتها إذا كانت في متحف أو معبد أثري، ثم دور فرع التغليف والإخفاء والذين يتفننون في إخفاء الآثار عن أعين الأمن والشرفاء من الناس، استعدادا للمرحلة الأخيرة وهي مرحلة التهريب للخواجة الذي سيدفع بالعملة الصعبة من أجل سرقة تاريخ مصر والإتجار به والتربح منه.
وما يؤكد أن عملية تهريب الآثار هي جريمة منظمة بامتياز، أننا نطالع يوميا عشرات الأخبار عن أشخاص في معظم أنحاء البلاد لقوا مصرعهم أثناء البحث عن آثار بسبب سقوط الردم فوق رؤوسهم، بجانب ما ظهر في قضية البرلماني المشعوذ والتي كشفت تورط أحد رجال الأعمال المشهورين في تمويل جريمة سرقة آثار مصر.
إن جريمة التنقيب وسرقة آثار مصر لا تختلف شيئا عن الإرهاب الذي حاربته مصر لسنوات طويلة، إن سرقة التاريخ هو سطو خبيث على كيان وكرامة الوطن، بل هو أشبه بالاغتصاب والاحتلال.. يجب أن نتصدى بكل قوة لـ«مَشرط وإخوته».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق