5 يوليو 2021

أمراض «صاحبة الجلالة»

أكتب هذه الكلمات.. وأنا مَن أنا؟.. أنا ما زلت طفلا يحبو في بلاط صاحبة الجلالة.. 10 سنوات في مهنة عمرها مئات الأعوام لا يعني الكثير.. كما ينقر العصفور من البحر.. مهنة الصحافة ذات القواعد والجدران الراسخة القوية التي درسناها على مدار 4 سنوات جامعية.. ولكن ها هي الجدران باتت «مشروخة» والأعمدة تهتز.. فماذا حدث لمهنة «السلطة الرابعة»؟

الدخلاء وغير الأكفاء الذين تصدروا المشهد، وأبرز مثال تلك «الحِشرية» التي تدَّعي «النضال» وهي تخوض في حياة الناس الخاصة وتقتات على أسرار بيوتهم، وبدلا من أن تحمل قلما ومصباحا ينير الطريق تمسك بمعول هدم لحياة الناس، وهي تذكِّرنا بذلك المغمور الذي حقق شهرة زائلة على حساب تلويث سمعة المرحوم نور الشريف وعدد من الفنانين، ويبدو أن هذه «المدرسة الرخيصة» تحولت إلى «تنظيم مخيف» يظن أن الصحافة مهنة البحث عن الفضائح لدرجة أن هذا هو المفهوم الذي ترسخ عند بعض الناس عن هذه المهنة الراقية.

الانحراف عن منهج التعبير عن هموم الناس واللهث خلف «التريند» وخصوصا في الصحافة الإلكترونية.. وباتت عبارة «أصلها طالعة تريند» هو صك الغفران أو التأشيرة التي يمر من خلالها توافه الموضوعات وأكثرها ابتذالا «في زحمة التريند»، وأصبح الصحفي وخصوصا رجل الديسك مجرد موظف عند «التريند» ويهز رأسه إيجابا كلما سمع كلمة «أصلها تريند»، وتحول الديسك إلى «عسكري مرور» يفتح الطريق لجميع السيارات بدلا من أن يكون محكِّما وفاصلا في المادة الصحفية، وإذا فكر في الاعتراض فسيكون غريبا على «المنظومة الجديدة».. منظومة «التريند»، وستلفظه وتطرده على الفور.

الأزمات المالية المتلاحقة التي تضرب المؤسسات الصحفية، والتي ازدادت حدتها مع تفشي وباء كورونا، ومع الاجتياح التكنولوجي الرهيب في شتى المجالات ولا سيما في الصحافة، فوجئنا أمس بقرار تحويل الصحف القومية المسائية إلى إصدارات إلكترونية، وهو قرار مؤلم من الناحية المادية لأنه يعكس الأزمات المالية لهذه الصحف وما قد يسببه القرار من الاستغناء عن بعض العاملين بالإصدار الورقي أو التأثير سلبا على رواتبهم، كما أنه مؤلم من الناحية النفسية لأولئك الذين «ارتبطوا» بالإصدارات الورقية وما تقدمه من تحليلات وآراء وما وراء الخبر.

حالة القهر التي تمارس داخل بعض المؤسسات، حيث لا مكان لكفاءة أو أقدمية، إنما الكارت الرابح يكون من نصيب الشللية.. النفاق.. الكلمة المعسولة.. المظهر الجذاب.. الفهلوة.. الصوت العالي.. فلا بد أن يكون لك «مخالب» لكي تستطيع أن تدافع عن حقك بضراوة شديدة، وتظهر «العين الحمراء» لكل من يجرؤ على المساس بحقك أو مكانتك التي تستحقها بكفاءتك وأقدميتك.. أو أن تكون «ثعلبا» يجيد المراوغة والمداهنة لتحقيق المكاسب، أما إذا كنت مِثاليًا وعَمَليا فلا تتوقع أن يأتي إليك حقك راكعا، وستظل مقهورا ويائسا وسيقل شغفك وتذبل روحك.. وهو المرض الذي أصاب معظم المؤسسات الصحفية بسبب الشللية والقهر وعدم تحقيق العدالة في المناصب والأجور.

هذا غيض من فيض، فالصحافة كأي مهنة تعاني من أزمات وأمراض، وفي الوقت ذاته هناك نماذج مشرفة وكوب نصف ممتلئ يبعث على التفاؤل في المهنة، وكل من يعمل في بلاط صاحبة الجلالة بالتأكيد لديه مآسٍ وأوجاع وهموم أكثر من تلك التي ذكرتها، إن مهنتنا اسمها «البحث عن المتاعب» فلا يجب أن تكون هي أيضا في حد ذاتها مليئة بالمتاعب.. إن حياة وصحة الصحفيين الجسدية والنفسية تواجه المخاطر إذا استمر العمل في هذا المناخ القاتم.

ليست هناك تعليقات: