26 يناير 2013

مصر بين ثورتين

لا شك أن الحقيقة التي يدركها القاصي و الداني أن نظام مبارك إرتكب من الجرائم و الإنتهاكات التي أدت في النهاية إلى سقوطه و محاكمته , إنه نظام أفقر المصريين في مسلسل الخصخصة و "رأسمالية المحاسيب" كما أنه قمع المعارضة و حاصر الأحزاب و كمم الأفواه و إحتكر الحكم لمدة 30 سنة ربما كانت ستطول أو تنتهي بالتوريث لولا فضل الله ثم هذه الثورة الشعبية العظيمة التي أطاحت بهذا النظام البشع يوم 11 فبراير 2011 بعد ثمانية عشر يوماً هي عمر الثورة المصرية , و لعل جميعنا يتذكر جيداً هذا اليوم الذي رحل فيه مبارك  , و يتذكر كيف كان "ترمومتر التفاؤل و الأمل" قد بلغ مداه في هذا اليوم المشهود .. كنا نتطلع إلى حياة ديموقراطية سليمة بعد أن طالت عقود الإستبداد و الديكتاتورية .. كنا نتطلع إلى تقدم إقتصادي بعد أن خيم الفساد و الإحتكار و المحسوبية على أركان الوطن .. كنا نتطلع أيضاً إلى عدالة إجتماعية بعد أن ساد الظلم و تدهورت الطبقة الوسطى و إزدادت المشاق على الأسر المصرية و أصبح معظم المصريين في عداد الفقراء , و مضت الأيام و نحن نحمل حلمنا و تفاؤلنا بين نفوسنا , و لكن الظروف التي مرت بها مصر طوال الفترة الإنتقالية كان لها أكبر الأثر في إضعاف تفاؤلنا و تبخر حلمنا .. ظروف عديدة و مصاعب شتى , إدارة خاطئة من مجلس عسكري ساهمت بشكل كبير في شحن الناس ضد الثورة و في قتل الثوار و إعتقالهم .. أحزاب لا تريد أن تجتمع على كلمة سواء و تحقق أصفاراً و فشلاً ذريعاً في توصيل أفكارها و برامجها للطبقة الشعبية  العريضة .. جماعة تتاجر بالدين و تريد أن تحصل على الثورة لحسابها فقط .. بالإضافة للإنفلات الأمني المتعمد و المقصود من بعض العناصر التي تريد تكريه الشعب في ثورته , و ها قد وصلت "الجماعة" إلى السلطة بعد أن وهمت و خدعت الشعب بالنهضة و تطبيق الشريعة و إتضح أن كلها مجرد أقنعة زائفة خلعها الإخوان و تخلوا عنها بعد أن حققوا هدفهم في التمكين و إعتلاء عرش مصر , كل هذه الأوضاع السيئة المتعمدة في معظمها أدت إلى شحن عدد كبير من المصريين ضد الثورة و حل اليأس و السخط محل التفاؤل و الفرحة , و ها قد مضى عامين على ثورة يناير التي خلعت نظام مبارك ولا زالت المشاكل كما هي و الحال كما هو و لم نصل إلى الحلم الكبير و الطموح المرتفع الذي كنا نتخيله و نرسمه يوم 11 فبراير 2011 يوم تنحي مبارك .. ربما يتطلب الأمر مزيداً من الصبر و لكن الصبر في رأيي يتطلب أن نرى بوادر و شذرات تبعث على التفاؤل .. حتى الأن لم نرى خطة إقتصادية لإنعاش إقتصادنا المريض , لم يتم إتخاذ أي خطوات جادة لإصلاح الفساد و الدمار و الخراب الذي طال جميع مؤسسات و مرافق الدولة في ظل النظام السابق , و كل ما نراه و نسمعه إنما هو فشل و حجج ضعيفة واهية .. إذن لم تختلف و لم تتغير الصورة القبيحة إلى الأفضل  و بالتالي أصبح المصريون بين ثورتين و ليس بين ثورة و إحتفال بثورة , إنما هو غضب أخر و سخط على النظام الحالي الذي يسعى للسير على نهج سابقه في تهميش المعارضة و تخوينها و في الهيمنة على مقدرات البلاد و في غياب الذكاء و الرؤية و الخطة التي تحدث تقدماً في البلاد و في حياة الناس اليومية .. يجب على الرئيس مرسي و جماعة الإخوان أن يستشعرا بناقوس الخطر , و أن يعلما جيداً أن الإستبداد و الفساد و الفشل لا مكان ولا مجال لهم أبداً بعد أن عرف المصريون طريق ميادين الحرية و خلعوا نظاماً إستبدادياً إتضح أن قوته كانت شكلية فقط بدليل أنه سقط في إسبوعين , و سيظل المصريون بإذن الله يطالبون بحقهم في الحياة الديموقراطية و في العدالة الإجتماعية و العيش الكريم .. و مهما طال الليل فلابد من طلوع الفجر . 

ليست هناك تعليقات: