أيام قليلة وينطلق معرض القاهرة الدولي للكتاب في 30 يونيو 2021، هذا الموسم الذي يكون فرصة رائعة للعودة إلى عالم القراءة الواسع بعد أشهر يقضيها معظمنا بين أمواج الحياة اليومية المتلاطمة، ولقد بدأت تجربتي المتواضعة مع القراءة منذ المرحلة الابتدائية، عندما كنت أشتري الأعداد القديمة من مجلات بلبل وميكي وسمير وعلاء الدين، من رجل كان يفترش الأرض بجوار مترو السيدة زينب، وما زلت أذكر ملامح هذا الرجل حتى الآن رغم مرور سنوات كثيرة جدا، فقد كان يرتدي جلبابا وفوقه «جاكيت» ويعتمر على رأسه «شال»، ويستقر على وجهه شارب متوسط الطول والكثافة، وقد احتلت المياه الزرقاء إحدى عينيه، وكان يبيع أي مجلة بجنيه.
ثم اتجهت بعد ذلك إلى روايات الجيب، وخصوصا «رجل المستحيل» للراحل المبدع الدكتور نبيل فاروق، وكنت كلما أعجبني سطر أو جملة أقلب الكتاب لأنظر إلى صورة المؤلف نبيل فاروق على ظهر الكتاب، وكأنني أوجه التحية له على جمال الأسلوب والسرد والحفاظ على اللغة العربية الفصحى بمنتهى الإخلاص والبراعة، وكنت أستبدل أعداد «رجل المستحيل» الجديدة بالقديمة من سور كتب السيدة زينب بربع جنيه.
وإلى سور السيدة زينب حيث بدأت عاملا في بيع الكتب قبل سنوات عملي بالصحافة، وقتها كنت في السنة الأخيرة للجامعة، وإذا كانوا يقولون في الأمثال «طباخ السم بيدوقه» فما بالك ببائع الكتب والمعرفة؟.. كنت أنهل من كل كتاب بضع صفحات ومن كل بستان زهرة، هكذا كانت عادتي في القراءة فلا أذكر أنني انتهيت من قراءة كتاب «من الجلدة للجلدة»، إلا بضعة كتب، من بينها «الأمير» للإيطالي نيكولو ميكافيللي، والمجموعات القصصية للمبدع الراحل يوسف إدريس، وأبرزها «بيت من لحم»، وكتاب «مغامرات صحفي في قاع المجتمع المصري» لـ عبدالعاطي حامد، الصحفي بـ«أخبار اليوم» في فترة السبعينيات، وكتاب «النكتة السياسية» لـ عادل حمودة، وقرأت بعضا من «النحو الشافي» للأردني محمود حسني مغالسة، وأسعى للانتهاء من قراءته كاملا لأنه كتاب مفيد ومبسَّط.
الآن، وبحكم عملي محررا للديسك، فيوميا أقرأ آلاف الكلمات في المواد الصحفية التي أراجعها قبل النشر، وبالتبعية أقرأ عشرات الأخبار هنا وهناك لمتابعة الأحداث، وكل كلمة أقرأها أتعلم منها، فأصل في النهاية إلى نتائج مثمرة، كأن أكتب موضوعا أو مقالا، أو حتى أبني موقفا أو قرارا، وكل هذا بفضل القراءة التي هي غذاء العقل، فعقل لا يقرأ هو عقل هزيل أو ليس عقل إنسان من الأساس، فمن ضمن الفروق بين الإنسان والكائنات الأخرى أن «الإنسان كائن قارئ».
يا أمة «اقرأ»، علموا أولادكم أن السلاح الحقيقي والوجاهة الاجتماعية ليست في أحدث موديل من السيارات أو في التقليد الأعمى لبعض المشاهير من طريقة أزياء أو تصفيفات شعر أو طريقة كلام، إنما السلاح الحقيقي في أمة تقرأ.. السلاح الحقيقي أمام موجات غسيل الأدمغة والغزو الثقافي الذي يمارسه الغرب عبر الأفلام أو ألعاب الفيديو.. اللهم اجعلنا ممن يحرصون على القراءة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق