حقاً .. صاحبنا لا يعرف قصته مع المساء , فلو كان المساء انساناً لقام صاحبنا بعرضه على طبيب نفسي ليشرح له عوامل (الكاريزما) التي تجعله ينجذب اليه و ينتظره من يوم الى يوم .. ربما النجوم المتلألأة في السماء هي سبب عشقه للمساء , ربما ذلك الهدوء و السكون بعد أن يغلق أهل الحي دكاكينهم و مصادر أرزاقهم ليخلدوا الى النوم هو السبب .. ربما النوم هو أحد أسرار عشقه للمساء .. و لربما محبوبته المغمورة التي لا تزال في عالم الغيب هي السبب , فهو حتى الأن لم يفتح قلبه لإحداهن .. ربما لأنه يعتقد بأن رياح الحب هي التي تأتي لتدق باب القلب دون أي اجتهاد منا أو سعي نحو تحصيلها و الاتيان بها في سويداء القلب .. المهم أن هناك علاقة وئام بينه و بين المساء , فما أن يبدأ قرص الشمس في المغيب حتى يجلس صاحبنا في (البلكونة) , مستقبلاً نسمات الهواء الصافية , و كوب القهوة الساخن الذي تعده له شقيقته الصغرى قبل أن يقول لها في شكر و امتنان : "تسلم الأيادي" .. يعود صاحبنا الى انسجامه مع المساء , ينظر الى الشارع , ها هي أقدام ما بقي من المارة تغدو و تروح أتيين بالعشاء لأولادهم أو عائدين للتو من عمل شاق تصبب فيه عرقهم و لا سبيل الا (حمام ساخن منعش ثم فراش وثير مريح لتبدأ رحلة النوم) , الست نحمده توبخ ابنتها التي عادت للتو في هذه الساعة المتأخرة : "كنتي فين يا مقصوفة الرقبة ؟" , و من بعيد كان مجموعة من (عواطلية المنطقة) يتسكعون على جانب الطريق فتمر عربة ميكروباص و ينزل منها المعاون و أمناء الشرطة و يسبون العواطلية قبل أن يدفعوهم دفعاً داخل الميكروباص : "اركب ياض يا ابن الـ......" , كل هذه المشاهد رصدها صاحبنا الذي ظل شارد الذهن و مشتت الفكر حتى جاءه صوت والده من خلفه : "انت لسة صاحي !" ... يسقط الفنجان من يد صاحبنا , الغريب أنه لم ينتبه لذلك و لم يهتم أصلاً , بل ظل يفكر في لغز المساء .. "لماذا لا تحدث كل هذه المشاهد الا في المساء ؟!!" , "و ما سر اعجابي بالمساء ؟!!" , احتار صاحبنا حتى تساءل : "أأنا اللغز أم المساء؟!!" .. و لم يعثر عقله على الاجابة الشافية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق